وقفت زينب العدوي، الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، يوم الثلاثاء بالرباط، وقفة تشخيصية دقيقة أمام البرلمان بمجلسيه، لتضع اليد على الجرح في ملفات التنمية الترابية والحماية الاجتماعية. العدوي، وبنفس رقابي صريح، حددت أربعة شروط أساسية لا محيد عنها لضمان نجاح التأهيل الترابي وتقليص الفوارق الصارخة التي لا تزال تفرق بين مغرب المدن ومغرب الهوامش.
واعتبرت العدوي أن «جودة التصميم» هي حجر الزاوية؛ فلا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية دون تشخيص واقعي يعتمد على أنظمة معلوماتية دقيقة ومحدثة. وشددت على أن زمن المشاريع «الورقية» يجب أن ينتهي، داعية إلى وضع أهداف قابلة للقياس وإشراك حقيقي لكل الفاعلين في الميدان. ولم يفتها التذكير بضرورة مراعاة خصوصيات المناطق الجبلية والقروية، مقترحة حلولاً مبتكرة مثل «الطب عن بعد» والقوافل الطبية المتخصصة لمواجهة تشتت السكن الذي يعيق وصول الخدمات الأساسية.
وبلغة الأرقام الصادمة، كشفت العدوي عن فجوة كبيرة بين الوعود والواقع، حيث سجلت أن نسبة إنجاز المشاريع المدرجة في عقود البرامج بين الدولة والجهات (2020-2022) لم تتجاوز 9%. هذا التعثر عزته إلى غياب التنسيق المسبق، وتأخر الدراسات التقنية، وصعوبات تعبئة العقار، محذرة من أن إعلان مشاريع غير قابلة للتنفيذ يضرب في العمق مصداقية التخطيط الترابي وثقة المواطن في المؤسسات.
وفي شق لا يقل أهمية، انتقلت العدوي لتشريح ملف الحماية الاجتماعية، وتحديداً نظام التغطية الصحية الإجبارية (AMO). ورغم القفزة النوعية في عدد المسجلين الذي ناهز 32 مليوناً، إلا أن الواقع يكشف أن المستفيدين الفعليين لا يتعدون 25.6 مليوناً. الصدمة الحقيقية تكمن في «النزيف المالي»؛ حيث قفزت النفقات بنسبة 83% مقابل نمو خجول في الموارد لم يتعد 36%، وهو ما يضع استدامة النظام على المحك.
وأشارت رئيسة مجلس الحسابات إلى أن نظام «أمو تضامن» يعيش وضعاً مقلقاً، بينما يعاني نظام القطاع العام من عجز مستمر منذ 2021. ولتجاوز هذه «المطبّات»، دعت العدوي إلى تحديث آليات استهداف المستفيدين، وتفعيل الوكالة الوطنية للسجلات، مع ضرورة تأهيل المستشفيات العمومية التي لا تستقطب سوى 9% من تعويضات التغطية الصحية، مقابل هيمنة مطلقة للقطاع الخاص بنسبة 91%، وهو ما يستدعي إعادة توازن الكفة لضمان خدمة صحية عادلة ومستدامة.