لم تعد منطقة شمال إفريقيا ودول الساحل مجرد جغرافيا منفصلة، بل تحولت إلى فضاء واحد متشابك أمنياً واقتصادياً، هذا ما خلص إليه تقرير حديث صادر عن مركز ‘ستيمسون’ (Stimson Center) للأبحاث في الولايات المتحدة. التقرير، الذي يحمل عنوان ‘المتوسط، شمال إفريقيا، والساحل: نظام استراتيجي واحد’، يرسم صورة مقلقة لما يصفه بـ ‘الاستمرارية الأمنية’ التي لم تعد تعترف بالحدود التقليدية.
ووفقاً للتحليل، فإن الصحراء الكبرى لم تعد ذلك الحاجز الطبيعي الذي يفصل بين الشمال والجنوب، بل أصبحت ‘مراً حيوياً’ تتدفق عبره التهديدات والموارد والفاعلون على حد سواء. هذا التحول جعل من أزمات الساحل والصراعات في شمال إفريقيا كتلة واحدة تؤثر ارتداداتها بشكل مباشر على أمن البحر الأبيض المتوسط والقارة الأوروبية.
ويشير التقرير بوضوح إلى أن الجماعات الإرهابية والشبكات المسلحة باتت تتحرك بمرونة عالية في هذا الفضاء الشاسع، مستغلةً هشاشة الحدود وضعف الحضور الأمني في بعض المناطق. وما بدأ مع ‘الربيع العربي’ وانهيار الدولة في ليبيا، ثم تمدد تنظيم ‘داعش’ والاضطرابات في مالي، خلق سلسلة من الأزمات العابرة للحدود التي تنتقل أفقياً وعمودياً عبر المنطقة.
لكن الأمر لا يقتصر على السلاح فقط؛ فالترابط المادي عبر أنابيب الطاقة، وخطوط الربط الكهربائي، وممرات الهيدروجين، وحتى الكابلات البحرية للإنترنت، جعل المصالح الاقتصادية بين أوروبا وشمال إفريقيا والساحل مرتبطة بشكل عضوي. هذا التشابك، رغم كونه يخلق فرصاً للتعاون، إلا أنه يجعل المنطقة عرضة لـ ‘عدوى الأزمات’؛ حيث يمكن لأي اضطراب في نقطة ما أن ينتقل بسرعة عبر هذه الشبكات المعقدة.
وفي قراءته للسياسات الإقليمية، وضع التقرير مقارنة لافتة بين الرباط والجزائر. حيث يرى المركز أن المغرب يتبنى مقارنة ‘منفتحة’ تجمع بين الدبلوماسية والأمن والاقتصاد، وتتجلى بوضوح في ‘المبادرة الأطلسية’ التي تهدف لتحويل المملكة إلى بوابة استراتيجية لدول الساحل الحبيسة نحو المحيط، خاصة مع الرهان على ميناء الداخلة الأطلسي بحلول عام 2028. في المقابل، يصف التقرير المقاربة الجزائرية بأنها تركز بشكل شبه كلي على ‘الأمن أولاً’ والتحصين الحدودي، وهو نهج يرى الخبراء أنه يواجه تحديات متزايدة في ظل تعقد المشهد الميداني.