24 ساعة

تقرير أسود للمجلس الأعلى للحسابات: ملايين المغاربة خارج مظلة التغطية الصحية

وضعت تقارير المجلس الأعلى للحسابات نظام التغطية الصحية الإجبارية في المغرب تحت مجهر النقد، كاشفة عن أرقام صادمة تعاكس الطموحات الرسمية المعلنة. فرغم الرهان الكبير على تعميم التغطية، لا يزال نحو 11 مليون مغربي، أي ما يعادل 30% من الساكنة، خارج المظلة الصحية، وهو ما يطرح تساؤلات حارقة حول نجاعة التنزيل الميداني لهذا المشروع الاجتماعي الضخم.

التقرير الذي صدر مؤخراً، رسم صورة قاتمة للاختلالات الهيكلية التي تنهك النظام؛ حيث تبرز معضلة ‘المستحقات غير المؤداة’ كعقبة رئيسية، إذ يفقد الكثير من المؤمنين حقوقهم بمجرد توقف الاشتراكات. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن تماطل بعض أرباب العمل في أداء ما بذمتهم تسبب في حرمان قرابة 1.5 مليون أجير من حقهم في العلاج.

وعلى مستوى المهن الحرة والمستقلين، يبدو أن ‘التعميم’ لا يزال يراوح مكانه؛ فمن أصل 11 مليون شخص كانت تستهدفهم الحكومة في هذه الفئة، لم ينخرط فعلياً سوى 3.27 مليون بحلول عام 2024. وما يزيد الطين بلة هو ضعف التحصيل المالي الذي لم يتجاوز 40%، مما يهدد الاستدامة المالية للنظام برمته.

وفي مفارقة لافتة، سجل نظام ‘أمو تضامن’ الممول من طرف الدولة تضخماً في عدد المستفيدين ليصل إلى 14.5 مليون شخص، متجاوزاً التوقعات الأولية بملايين. ويربط التقرير هذا الارتفاع باستمرار شبح البطالة بين الشباب، الذين يجدون أنفسهم مضطرين للاعتماد على الدعم الحكومي بدل الانخراط في أنظمة قائمة على المساهمة المهنية.

أما عن كواليس الصرف، فالمعطيات تشير إلى ‘تغول’ القطاع الخاص الذي يستحوذ على أكثر من 90% من تعويضات التأمين، بينما تظل المستشفيات العمومية تعاني من ضعف التمويل وتعتمد بشكل شبه كلي على ميزانية الدولة. وتستنزف الأمراض المزمنة والمكلفة أكثر من نصف الميزانية الإجمالية (حوالي 14 مليار درهم)، حيث تلتهم الأدوية والعمليات الجراحية وتصفية الدم حصة الأسد.

وبعيداً عن لغة الأرقام الجافة، يظل المواطن هو الحلقة الأضعف؛ إذ كشف التقرير أن الأسر المغربية لا تزال تتحمل عبئاً مالياً ثقيلاً، حيث يدفع المرضى من جيوبهم الخاصة نحو ثلث تكاليف العلاج، وتصل هذه النسبة إلى النصف في حالات الأمراض المزمنة. ومع تعقد المساطر الإدارية وتأخر التعويضات عن الآجال القانونية، يجد المواطن نفسه مضطراً لتمويل علاجه ‘كاش’ في انتظار فرج التعويض، مما يفرغ التغطية الصحية من جوهرها الاجتماعي.