بعد سبع سنوات عجاف أرهقت الأرض والعباد، تنفس المغرب الصعداء مع عودة التساقطات المطرية الغزيرة التي عمت مختلف ربوع المملكة. الأرقام تتحدث عن طفرة حقيقية؛ فمعدلات الأمطار هذا الشتاء تجاوزت العام الماضي بنسبة 95%، واستقرت فوق المعدل الموسمي المعتاد بنحو 17%، مما رفع نسبة ملء السدود إلى حوالي 46%، مع وصول بعضها إلى طاقتها الاستيعابية القصوى. لكن، وخلف هذه الصورة المتفائلة، يبرز سؤال مقلق في أوساط المهنيين: هل يمكن أن يفسد كثرة المطر ما أصلحه الانتظار؟
في مهنة المتاعب الزراعية، لا تعني وفرة المياه دائماً وفرة المحصول. المشكلة الأولى تكمن في “تشبع التربة”؛ فعندما تمتلئ الأرض بالماء فوق طاقتها، تختنق الجذور وتفقد قدرتها على امتصاص الأكسجين، مما قد يؤدي إلى ذبول النباتات أو توقف نموها تماماً. كما أن التربة المشبعة تتوقف عن امتصاص المياه الزائدة، لتتحول الأمطار إلى سيول جارفة بدلاً من أن تكون مخزوناً جوفياً نافعاً.
التحدي الآخر لا يقل خطورة، ويتعلق بـ “غسل التربة”. الأمطار الغزيرة جداً تقوم بجرف العناصر الغذائية الأساسية مثل النيتروجين والبوتاسيوم بعيداً عن منطقة الجذور، مما يضطر الفلاحين لتحمل تكاليف إضافية في التسميد، أو الرضا بمردودية ضعيفة. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فالمساحات الموحلة تمنع الجرارات والآلات من دخول الحقول، مما يعطل أجندة العمل من حرث وتسميد ومكافحة للأعشاب الضارة، وهو ما يعني باختصار: ضياع الوقت الحرج للإنتاج.
من جانب آخر، تفتح الرطوبة المستمرة الباب على مصراعيه للأمراض الفطرية التي تهاجم السيقان والأوراق، بل وتمتد آثارها إلى قطاع تربية الماشية؛ حيث تؤدي الرطوبة الزائدة في المراعي إلى تعفن الأعلاف، مما يؤثر سلباً على صحة القطيع وجودة إنتاج الحليب واللحوم.
هذه المخاوف ليست مجرد توقعات تشاؤمية، بل هي دروس مستفادة من تجارب دولية؛ ففي الهند العام الماضي، تسببت الرياح الموسمية العنيفة في خسائر فادحة لمحاصيل الصويا والقطن، حيث هوى الإنتاج في بعض المناطق من 12 قنطاراً للفدان إلى قنطارين فقط.
ختاماً، يبقى الفلاح المغربي، خاصة في مناطق الزراعات البورية المعتمدة على الحبوب والقطاني، في حالة ترقب. فالأمل معقود على أن تأتي الأمطار بانتظام وتوزيع زمني متوازن، بعيداً عن العواصف الفجائية التي قد تحول “عام الخير” إلى تحدٍ تقني ومادي كبير يتطلب يقظة وتدخلاً زراعياً دقيقاً.