لم يعد الحديث عن مستقبل الأداء الرقمي مجرد توقعات تقنية بعيدة المدى، بل أصبح واقعاً نعيشه اليوم بكل تفاصيله. نحن الآن في مطلع عام 2026، ونشهد تحولاً جذرياً في كيفية تفاعلنا مع المال، سواء في منطقة الشرق الأوسط أو إفريقيا أو أوروبا الشرقية. القواعد القديمة للتجارة العالمية تُكتب من جديد بمداد من الذكاء الاصطناعي وتقنيات البلوكشين، حيث يسعى الجميع نحو تجربة دفع أسرع، أكثر أماناً، والأهم من ذلك، أكثر سلاسة.
أولى هذه التحولات الكبرى هي صعود ‘العملات المستقرة’ (Stablecoins) كبنية تحتية موثوقة. لم تعد هذه العملات مجرد أصول للمضاربة، بل أصبحت وسيلة فعالة لنقل الأموال عبر الحدود، خاصة في مناطق مثل إفريقيا جنوب الصحراء، حيث كانت تكاليف التحويلات المالية هي الأغلى عالمياً. اليوم، بفضل هذه التقنية، تصل الحوالات بشكل فوري تقريباً وبتكاليف زهيدة، مما يغير حياة الملايين.
لكن المثير حقاً هو ما نسميه ‘التجارة الوكيلة’ أو (Agentic Commerce). تخيل أنك تفتح تطبيق الدردشة الخاص بك وتضغط على زر ‘اشتري لي’. هنا، يقوم وكيل الذكاء الاصطناعي بالنيابة عنك بكل شيء؛ يختار العرض الأفضل، يتأكد من مطابقة المواصفات، ويتمم عملية الدفع بأمان تام وفق ميزانية محددة مسبقاً. لم يعد الأمر مجرد تسوق إلكتروني، بل أصبحنا أمام مساعدين رقميين يديرون مشترياتنا اليومية بدقة مذهلة.
ومع هذا التطور، تبرز تحديات جديدة؛ فالمعركة ضد الاحتيال انتقلت من سرقة البيانات إلى سرقة الهويات عبر ‘التزييف العميق’. لم يعد المحتالون يكتفون بأرقام البطاقات، بل يستخدمون الذكاء الاصطناعي لإنشاء هويات وهمية. وفي المقابل، نرى توجهاً قوياً نحو الاعتماد على البصمات الحيوية (الوجه والأصابع) كبديل نهائي لبروتوكولات الأمان التقليدية وكلمات المرور المعقدة.
أما الخبر الأبرز لعام 2026، فهو وصولنا إلى نقطة اللاعودة بالنسبة للنقد. لأول مرة في التاريخ، من المتوقع أن تتم نصف مدفوعات المستهلكين عالمياً عبر البطاقات والوسائل الرقمية. في منطقتنا، تراجعت حصة الكاش من الإنفاق الشخصي بشكل ملحوظ، حيث انتقلت من 80% إلى 60% في ظرف خمس سنوات فقط. هذا لا يعني اختفاء الكاش تماماً، بل يعني أن الرقمي أصبح هو ‘الأصل’ وليس البديل.
إننا نعيش عصر ‘التخصيص الفائق’، حيث لا يتم التعامل مع الزبائن ككتلة واحدة، بل كأفراد لكل منهم تفضيلاته الخاصة. المؤسسات المالية التي ستنجح في هذا المشهد هي تلك التي تمتلك المرونة الكافية لتحديث خدماتها في أسابيع وليس شهور، مستفيدة من التقنيات السحابية لتوفير تجربة دفع لا تشوبها شائبة.