تعيش الساحة الرياضية بإقليم الناظور على صفيح ساخن، عقب تفجر فضيحة مدوية كشفت عن معطيات صادمة تتعلق بتعرض مجموعة من الأندية المحلية لعمليات ابتزاز ممنهج من قبل أحد المجالس المنتخبة في المنطقة. هذا الوضع المريب دفع العديد من الفعاليات الرياضية إلى طرح تساؤلات حارقة حول الجهات الخفية التي تقف وراء هذه الممارسات، التي لا تهدد فقط مستقبل الرياضة في الإقليم، بل تضرب في العمق قيم النزاهة والشفافية، وسط تعالي الأصوات المطالبة بربط المسؤولية بالمحاسبة.
وتعتمد عمليات الابتزاز هذه على ‘توليفة’ سرية وخطيرة باتت تعرف في كواليس التسيير بـ’المنح المشروطة’، حيث يتم الاتفاق مع إدارة النادي على تقديم دعم مالي معين، مقابل شرط سري يقضي بإرجاع نصف أو ربع مبلغ المنحة مباشرة إلى رئيس المجلس أو أطراف متنفذة داخله. هذا الأسلوب الاحتيالي يهدف إلى تمرير الأموال العمومية بغطاء قانوني في الظاهر، قبل أن يتم اختلاس جزء كبير منها وتوجيهه نحو جيوب مجهولة بعيداً عن أعين الرقابة المباشرة.
وعبرت مجموعة من المكاتب المسيرة للأندية المتضررة بالناظور عن أسفها الشديد واستنكارها القوي للطريقة ‘المهينة’ وغير القانونية التي يتعامل بها هذا المجلس مع ملف الدعم الرياضي. وأكدت مصادر من داخل هذه المكاتب أن استمرار هذه الممارسات لسنوات طويلة ‘تحت الطاولة’ ساهم في إفساد البيئة الرياضية، وحول الدعم العمومي، الذي هو حق مشروع للأندية، إلى وسيلة للاغتناء غير المشروع على حساب مجهودات الرياضيين.
هذا الأسلوب الفاسد في تدبير الشأن الرياضي جعل الجمعيات الرياضية تتخبط في دوامة من التمويلات المشبوهة، حيث تجد المكاتب المسيرة نفسها مضطرة لتبرير صرف كامل مبلغ المنحة في تقاريرها المالية، بينما هي في الواقع لم تستفد إلا من جزء منقوص منه. هذا التلاعب لا يساهم فقط في إرباك ميزانيات الفرق وعجزها عن تدبير شؤون تداريبها وتنقلاتها، بل يضع مسؤوليها تحت طائلة المسؤولية القانونية والجنائية بسبب فبركة الحسابات.
وتشير المعطيات المتطابقة إلى أن المجلس المعني بات يضع هذا الشرط الفاسد كقاعدة أساسية لا تقبل النقاش للإفراج عن المنح السنوية وتمريرها. وفي حال رفض إدارة النادي الرضوخ لهذه الابتزازات والضغوطات، يتم مجابهة طلبها بالرفض القاطع، أو التماطل في معالجة الملفات، أو تقليص الدعم إلى مستويات هزيلة تؤدي بالضرورة إلى إفلاس الفريق وتجميد أنشطته والانسحاب النهائي من المنافسات الرسمية.
وأمام هذا الشطط الواضح، طالبت مكاتب مسيرة بالناظور بضرورة التدخل العاجل والمباشر للسلطات الإقليمية والمحلية، وعلى رأسها عامل الإقليم، بالإضافة إلى قضاة المجلس الأعلى للحسابات. وتأتي هذه المطالب المتسارعة لفتح تحقيق قضائي معمق وشامل لتحديد المسؤوليات، والوقوف على حجم الأموال المشبوهة التي تم تمريرها طيلة السنوات الماضية تحت غطاء دعم الرياضة وتشجيع الشباب.
ويرى متتبعون للشأن المحلي أن الضحية الأكبر لهذه السلوكيات الابتزازية هم شباب وأطفال إقليم الناظور، الذين يجدون في هذه الأندية ملاذاً وحيداً لصقل مواهبهم والابتعاد عن الانحراف. إن إضعاف ميزانيات الفرق وحرمانها من مواردها المالية الحقيقية يؤدي مباشرة إلى تقليص الأنشطة وتجميد الفئات الصغرى، مما يجهض أحلام مئات الرياضيين الطامحين للتألق وبناء مسار كروي نظيف خال من الشبهات.
وتترقب الأوساط الرياضية والجمعوية بالناظور بكثير من الحذر ما ستسفر عنه الأيام المقبلة من ردود فعل رسمية، خاصة في ظل إصرار المكاتب المسيرة على كسر جدار الصمت وفضح هذه الممارسات. ويبدو أن سيناريو المواجهة القضائية بات الخيار الأقرب لتطهير الساحة الرياضية في الإقليم، وإعادة الاعتبار للمنح العمومية كآلية شفافة للنهوض بالتنمية المحلية وليس كأداة للابتزاز السياسي والمالي ونهب المال العام.