لم تكن السنوات الأخيرة مجرد محطة عابرة في تاريخ الفلاحة المغربية، بل شكلت اختباراً حقيقياً لقدرة بلادنا على الصمود أمام موجات جفاف متتالية وتقلبات أسواق عالمية لم ترحم أحداً. وفي خضم هذا الوضع المعقد، طفت على السطح نقاشات وتأويلات حول ‘دعم المستوردين’، تداخلت فيها الأرقام بالاستنتاجات المتسرعة، مما استوجب وضع النقاط على الحروف وكشف الحقيقة بالأرقام والوقائع.
بعيداً عن ‘هالة’ الـ13 مليار درهم التي تم الترويج لها كدعم مباشر، فإن الواقع يتحدث عن لغة أخرى؛ فإجمالي الدعم الموجه لاستيراد الماشية لم يتجاوز في حقيقته 438 مليون درهم. أما الرقم الضخم المتداول، فهو ليس سيولة مالية منحت للمستوردين، بل هو قيمة ‘الإعفاءات الضريبية’ والرسوم الجمركية التي كانت تصل إلى 200%، والتي قررت الدولة تعليقها لضمان عدم وصول سعر اللحوم إلى مستويات قياسية قد تتجاوز 220% من ثمنها الحالي، ولحماية جيوب المغاربة أولاً وأخيراً.
وبالعودة إلى المسار الزمني، نجد أن المغرب ومنذ إطلاق ‘مخطط المغرب الأخضر’ عام 2008، نهج سياسة طموحة لتطوير القطيع. الأرقام لا تكذب؛ فقد انتقل قطيع الأبقار من 2.8 مليون رأس إلى 3.4 مليون رأس في 2019، بزيادة بلغت 22%. أما الأغنام، فقد قفزت من 17.1 مليون رأس إلى أزيد من 22.4 مليون رأس في 2021. هذا التطور لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة برامج تحسين النسل والتأطير التقني المكثف.
لكن، وكما يقول المثل ‘تجري الرياح بما لا تشتهي السفن’، اصطدم هذا المنحى التصاعدي منذ سنة 2020 بثلاثية قاسية: جائحة كورونا، توالي سنوات الجفاف، وارتفاع أسعار الأعلاف عالمياً بسبب النزاع الروسي الأوكراني. هذا الوضع دفع الوزارة الوصية، في إطار رؤية حكومية شاملة، إلى التدخل العاجل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، عبر توفير الأعلاف المدعمة، وتعزيز برامج التلقيح، وفتح باب الاستيراد الاستثنائي لملء الخصاص وتخفيف الضغط على القطيع المحلي الذي بدأ يستنزف.
اليوم، بدأت ثمار هذه اليقظة تظهر للعيان؛ فالقطيع الوطني من الأغنام والماعز سجل انتعاشة قوية ليصل حالياً إلى نحو 40 مليون رأس، وهو رقم قياسي لم يسبق لبلادنا تحقيقه. أما عملية الاستيراد، فقد خضعت لدفتر تحملات صارم ومعايير شفافة أشرف عليها ‘المكتب الوطني المهني للحبوب والقطاني’. فلم تكن العملية ‘شيكاً على بياض’، بل ارتبط صرف منحة الـ500 درهم عن كل رأس بشروط دقيقة، تشمل شهادات المطابقة الصحية والمستندات الجمركية الرسمية، لضمان وصول الدعم إلى غايته النبيلة.
إن التدخل الحكومي لم يكن يهدف إلى دعم ‘العرض’ كغاية في حد ذاته، بل كان المستهلك المغربي هو البوصلة الحقيقية. فمن خلال الموازنة بين حماية القطيع الوطني وإعادة تشكيله، وبين ضمان وفرة الأضاحي واللحوم بأسعار معقولة، نجح المغرب في تفادي سيناريوهات مظلمة كانت تهدد بانهيار آلاف الضيعات الفلاحية وفقدان السيادة الغذائية في قطاع حيوي يمس المعيش اليومي لكل المواطنين.