في تطور لافت لواحد من أكثر الملفات التي شغلت الأوساط الحقوقية والقانونية في المغرب مؤخراً، أسدلت المحكمة الابتدائية بالرباط الستار على فصول محاكمة المحامي والحقوقي محمد الغلوسي، رئيس الجمعية المغربية لحماية المال العام. الحكم الذي صدر في الساعات الماضية، قضى بإدانة الغلوسي بالحبس لمدة شهرين موقوف التنفيذ، مع تغريمه مبلغ 5000 درهم، في خطوة أثارت الكثير من التساؤلات حول حدود حرية التعبير في مواجهة المؤسسات.
وتعود تفاصيل هذه القضية إلى متابعة الغلوسي بتهمة ‘إهانة هيئة منظمة’، وهي التهمة التي استندت إليها النيابة العامة بناءً على تدوينات وتصريحات سابقة اعتبرت مسيئة لبعض الجهات. فهل كان الغلوسي يمارس حقه الطبيعي في النقد باعتباره فاعلاً مدنياً يحارب الفساد، أم أن العبارات المستخدمة تجاوزت الخطوط الحمراء التي يرسمها القانون؟ هذا هو السؤال الجوهري الذي ظل يتردد في ردهات المحكمة وبين أوساط المتابعين.
المثير في الأمر، أن هذا الحكم يأتي في وقت يتصاعد فيه النقاش الوطني حول دور المجتمع المدني في الرقابة على الشأن العام. الغلوسي، الذي عرف بشراسته في ملاحقة ملفات نهب المال العام، وجد نفسه هذه المرة في قفص الاتهام، ليس بسبب ذمة مالية، بل بسبب ‘كلمة’. ومن هنا تنبع الحساسية المفرطة لهذا الملف؛ فالكثير من الحقوقيين يرون في هذا الحكم رسالة قد تؤدي إلى تراجع منسوب الجرأة في نقد المؤسسات، بينما يرى آخرون أن هيبة المؤسسات خط أحمر لا يجب تجاوزه تحت أي مسمى.
ورغم أن الحكم جاء موقوف التنفيذ، إلا أن دلالاته القانونية والرمزية تظل قوية. فهو من جهة يثبت ‘الإدانة’ في السجل العدلي للرجل، ومن جهة أخرى يفتح الباب أمام مرحلة الاستئناف التي يتوقع أن تشهد معارك قانونية طاحنة. وبين هذا وذاك، يبقى الشارع المغربي يراقب بكثير من الترقب كيف ستتطور الأمور، وهل سيستمر الغلوسي في نهجه النقدي المعهود أم أن ‘عصا القضاء’ ستفرض إيقاعاً جديداً على لغة الحقوقيين في الفضاء الرقمي؟