منذ سنوات، والجدل يتجدد في المغرب مع كل موسم أمطار غزيرة أو جفاف حاد، حول فكرة تبدو في ظاهرها ‘خلاصاً’ سحرياً: إنشاء ‘نهر صناعي عظيم’ ينقل فائض مياه الشمال الممطر إلى عطش الجنوب القاحل. الفكرة التي تداولها نشطاء ومتابعون مؤخراً، ترى في تحويل مسارات المياه من المناطق التي تعاني خطر الفيضانات إلى المناطق الصحراوية والشبه صحراوية ضرباً من الذكاء الاستراتيجي الذي سيضمن الأمن الغذائي والمائي للمملكة.
لكن، هل الأمر بهذه البساطة؟ يرى المتحمسون للمشروع أن شبكة ضخمة من القنوات والأنابيب يمكنها أن تحول ‘تهديد’ الفيضانات في الشمال إلى ‘فرصة’ للحياة في الجنوب، مما سيخلق فرص عمل ويحيي أراضي زراعية شاسعة، ويخفف الضغط عن الفرشة المائية التي استنزفتها سنوات الجفاف.
بالمقابل، يصطدم هذا الطموح الشعبي برأي الخبراء الذي يبدو أكثر واقعية وصرامة. مصطفى بنرامل، الخبير البيئي ورئيس جمعية المنارة الإيكولوجية، وصف المقترح بأنه يفتقر للواقعية العلمية، مشيراً إلى أن تضاريس المغرب ليست ‘بساطاً مستوياً’. فالعائق الأكبر هنا هو سلسلة جبال الأطلس، التي تقف كحائط طبيعي شاهق بين الشمال والجنوب، مما يجعل أي مشروع لنقل المياه السطحية على نطاق وطني عملية معقدة هندسياً ومكلفة بشكل خيالي.
ويوضح بنرامل أن تجارب سابقة، كطريق مراكش-أكادير أو مشاريع السكك الحديدية، كشفت حجم التحديات التي تفرضها الجغرافيا المغربية، حيث تضطر الدولة لبناء أنفاق مكلفة لتجاوز المرتفعات. كما حذر من أن شق قنوات مائية سطحية عملاقة قد يدمر النظم البيئية المحلية وينقل كائنات غازية تهدد التوازن الطبيعي لكل منطقة.
علاوة على ذلك، يرى المختصون أن المغرب ينهج بالفعل سياسة ‘الطرق السيارة للماء’ عبر أنابيب تحت أرضية مدروسة بعناية، مثل الربط بين حوضي سبو وأبي رقراق، وهي مشاريع تخضع لدراسات دقيقة تشمل المناخ والطبوغرافيا والجيولوجيا، بعيداً عن العشوائية. وفي ظل حقيقة أن العديد من سدود الشمال نفسها لم تصل بعد إلى طاقتها الاستيعابية القصوى، يظل التحدي الحقيقي هو تجويد تدبير المياه داخل كل حوض مائي على حدة، قبل التفكير في مشاريع ‘فرعونية’ قد لا تصمد أمام وعورة الجغرافيا وتكلفة الهندسة.