في قلب مدينة طنجة، التي تواصل ترسيخ مكانتها كواجهة دولية للمؤتمرات الكبرى، رسمت نادية فتاح، وزيرة الاقتصاد والمالية، ملامح التوجه الاستراتيجي للمغرب في المرحلة المقبلة. خلال مشاركتها في مؤتمر وزراء المالية والتخطيط والتنمية الاقتصادية الأفارقة، لم تتحدث الوزيرة بلغة الأرقام فحسب، بل استعرضت رؤية ملكية طموحة تضع ‘الابتكار’ في صلب النموذج التنموي للمملكة.
فتاح أوضحت أن المغرب لم يعد يكتفي بمواكبة التطورات التقنية، بل انخرط في مسار تحول اقتصادي عميق يرتكز بالأساس على التكنولوجيا. وفي هذا الصدد، استعرضت الجهود المبذولة في تعزيز البنية التحتية الرقمية، وتوسيع نطاق الولوج إلى الإنترنت فائق السرعة، فضلاً عن تطوير الإدارة الإلكترونية التي تهدف إلى تبسيط المساطر وتجويد الخدمات. ولم يفت الوزيرة التأكيد على أن الهدف الأسمى هو جعل المغرب مركزا إقليميا بارزاً في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الرقمية، بما يضمن خلق فرص شغل نوعية للشباب المغربي.
وإلى جانب الطموح الوطني، حملت كلمة الوزيرة نفساً قارياً لا يخطئه المتابع؛ حيث شددت على أن مستقبل المغرب هو امتداد لمستقبل إفريقيا. وفي هذا السياق، دعت فتاح إلى تجاوز الأساليب التقليدية في التعاون، مطالبة المؤسسات المالية الإفريقية بالانتقال من مجرد أدوار التمويل إلى تقديم دعم استراتيجي يعزز التكامل بين دول القارة. واعتبرت أن قوة إفريقيا تكمن في تجميع الاستثمارات وتبادل الخبرات وخلق أسواق متكاملة قادرة على الصمود أمام التحولات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية.
يأتي هذا النقاش في توقيت دقيق، حيث تفرض ثورة الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة تحديات جديدة على اقتصادات العالم. ويسعى مؤتمر طنجة، الذي اختار شعار ‘النمو عبر الابتكار’، إلى الخروج بتوصيات عملية حول السيادة الرقمية وحكامة البيانات، لتكون بمثابة خارطة طريق للدول الإفريقية في سعيها نحو تحقيق تحول هيكلي مستدام يعزز إنتاجيتها ويضعها في مصاف القوى الاقتصادية الصاعدة.