يتساءل الرأي العام في إقليمي الناظور والدريوش بمرارة: إلى متى ستظل أرضنا مجرد وعاء جغرافي لاستقبال المشاريع الكبرى، بينما يظل أبناؤها خارج حسابات الاستفادة والتنمية؟ هذا السؤال ليس مجرد صرخة عابرة، بل هو تعبير عن أزمة ثقة حقيقية تجاه مشروع ضخم مثل ‘ميناء الناظور غرب المتوسط’، الذي بات ينظر إليه الكثيرون ككيان معزول عن عمقه الاجتماعي.
الشرارة التي أشعلت فتيل هذا الغضب هي تنظيم ‘أيام التوظيف المفتوحة’ بعيداً عن تراب الإقليم، وتحديداً في مدينة وجدة. هذه الخطوة اعتبرها المتابعون، وعلى رأسهم الإعلامي محمد بنعمر، تكريساً لعقلية إقصائية ترى في الناظور مجرد بحر، وتفترض زوراً خلوه من الكفاءات. إنها رسالة محبطة لشباب يراقبون من نافذة منازلهم حلمهم الاقتصادي يكبر، لكن أبوابه تُفتح لغيرهم، مما يذكي مشاعر الغربة في الوطن ويدفع البعض نحو قوارب الموت يائسين من وعود ‘العدالة المجالية’.
والمثير للسخرية في هذا المشهد هو التذرع بـ’ضعف الكفاءات المحلية’، وهي الحجة التي تنسفها الحقائق التاريخية والراهنة. فأبناء الناظور والدريوش بصموا على مسارات عالمية باهرة؛ من أحمد بوطالب ومحمد وهبي، إلى نجاة بلقاسم وإبراهيم دياز. هؤلاء ليسوا استثناء، بل هم برهان على أن عقلية أبناء المنطقة قادرة على الإبداع إذا ما توفرت البيئة العادلة وتكافؤ الفرص.
إن التنمية الحقيقية لا تُبنى بتهميش الطاقات المحلية أو التعامل مع الإقليم كمجرد موقع للاستغلال المادي. التنمية الحقيقية تبدأ بإشراك الإنسان، ابن الأرض، في صنع مستقبله. لذا، حان الوقت لتتوقف هذه القرارات الإدارية التي تشعر شبابنا بأنهم ‘غرباء’ في مشاريع أقيمت على أراضيهم. إن الناظور والدريوش ليسا مجرد مساحات فارغة على الخريطة، بل هما أرض حية بتاريخها وكفاءاتها التي تستحق الإنصاف، لا التهميش. المطلوب اليوم هو تحرك جاد ومسؤول لفتح أبواب هذا الصرح الاقتصادي أمام خريجي المنطقة، ليكون الميناء فعلاً قاطرة تنموية لأهله، لا مجرد جسد غريب ينمو وسط محيط يعاني العزلة.