يبدو أن ملف الصيدليات في المغرب يتجه نحو منعطف حاسم، حيث تشير المعطيات الحالية إلى أن الحكومة باتت تنهج سياسة الحذر، مفضلة التريث قبل تبني الدراسة التي أعدها مجلس المنافسة حول واقع قطاع توزيع الأدوية. هذا التوجه يأتي بعد زلزال من الانتقادات التي قادها الصيادلة، والذين لم يترددوا في التلويح بخيار الإضراب الوطني كرسالة احتجاج قوية ضد ما اعتبروه ‘وصفات جاهزة’ لا تراعي خصوصية القطاع.
الدراسة التي استلهمت في جوهرها النموذج الفرنسي، وضعت يدها على جرح غائر؛ إذ أشارت بوضوح إلى اختلالات هيكلية، أبرزها التزايد الكبير في عدد الصيدليات مقارنة بعدد السكان. هذا الواقع أدى إلى اشتداد حدة المنافسة بشكل بات يهدد الاستقرار المادي للكثير من الصيدليات، خاصة في ظل ضعف هوامش الربح المرتبطة ببيع الدواء وحده، وتدفق مئات الخريجين الجدد سنوياً إلى سوق الشغل في قطاع يبدو أن قدرته على الاستيعاب بلغت حدودها القصوى.
غير أن نقطة الخلاف الجوهرية تكمن في المقترحات التي جاءت بها الدراسة، وتحديداً تلك المتعلقة بتنويع مصادر دخل الصيدلي وتوسيع نطاق خدماته الصحية. فبينما يراها البعض مدخلاً لتطوير المهنة، يراها الصيادلة ‘حصان طروادة’ لفتح الباب أمام استثمارات دخيلة قد تنهي استقلالية المهنة وتغير هويتها بشكل جذري. هذا التوجس لم يكن وليد الصدفة، بل هو تعبير عن خوف مشروع من فقدان التوازن المهني الذي ظل يحكم قطاع الصيدلة لعقود.
اليوم، تجد الحكومة نفسها أمام معادلة صعبة؛ فإما المضي قدماً في إصلاحات يراها البعض ضرورية لتحديث القطاع، أو الانصياع لضغط المهنيين وتجنب صدام قد يشل توزيع الأدوية في البلاد. ويبدو أن الكفة تميل حالياً نحو فتح باب الحوار الوطني الموسع، في محاولة لإيجاد صيغة توافقية توازن بين ديمومة الصيدليات كمؤسسات اقتصادية، وبين الارتقاء بجودة الخدمات الصحية المقدمة للمواطن المغربي. القادم من الأيام سيحمل بلا شك فصولاً جديدة في هذا الملف الشائك، الذي تحول إلى حديث الصالونات المهنية والمواطنين على حد سواء.