24 ساعة

ما وراء المستطيل الأخضر.. كيف أعادت “كان المغرب” صياغة الوعي الجماعي ضد حملات التشويش؟

لم تكن كأس أمم أفريقيا التي احتضنها المغرب مجرد تظاهرة رياضية عابرة تنتهي بصافرة حكم أو تتويج بطل، بل كانت لحظة كاشفة بامتياز في مسار طويل من بناء الوعي الجماعي. إن قراءة الحدث من زاوية الربح والخسارة التقنية تظل قراءة قاصرة، لأنها تسقط في فخ “الاختزال الحدثي”، متجاهلة أن مثل هذه المواعيد الكبرى هي محطات إدراكية تصقل هوية الشعوب.

لقد أثبتت البطولة أن الدولة قد لا تحصد كل الألقاب فوق العشب، لكنها تحقق انتصارات أعمق وأبقى خارج الملعب؛ انتصارات تعيد ترتيب المفاهيم وتولد معرفة جماعية صلبة. لعل أبرز هذه المكاسب هو ميلاد وعي سياسي جديد لدى فئات واسعة من المغاربة، وعي يرتكز على أن المصلحة الوطنية العليا هي البوصلة الوحيدة، بعيداً عن الشعارات العاطفية المستهلكة حول “الأخوة” التي غالباً ما تُستغل كأدوات للتضليل.

لقد وضعت هذه التجربة حداً لما يمكن تسميته بـ “الساذجة العلاقاتية”. اكتشف الجميع أن الدول تتحرك وفق مصالحها لا عواطفها، مما نقل الوعي المغربي من القراءة الرومانسية للعالم إلى واقعية سياسية ناضجة. وفي هذا السياق، سقطت الأقنعة عن خطابات كانت تُقدم كنيات طيبة، ليتبين أنها مجرد أدوات للمناورة والتشويش على التماسك الداخلي للمملكة.

من الظواهر اللافتة التي رافقت الحدث، محاولة تكريس مفهوم “الكواليس” و”الطبخات الجاهزة”، وهو مصطلح دخيل تم ترويجه عبر منصات معادية لضرب الثقة في النفس، وإيهام الجمهور بأن كل نجاح مغربي هو نتاج تدبير خفي وليس ثمرة عمل وتخطيط. لكن الواقع كان أقوى؛ فالنجاح المبني على الاستمرارية لا يحتاج لأساطير تبرره.

الحملة لم تكن عشوائية، بل اعتمدت “توزيعاً للأدوار” بدقة متناهية؛ فبينما كان البعض يروج للأكاذيب الفجة حول التنظيم والنزاهة، كان طرف آخر يرتدي قناع الدبلوماسية والمديح الهادئ. هذا التناوب بين التصعيد والتهدئة كان يهدف لخلق حالة من الارتباك الذهني لدى المتابع. ولم يسلم المنتخب الوطني من هذا الضغط النفسي، حيث استهدفت الحملات زعزعة استقرار اللاعبين والطاقم التقني، في محاولة لكسر الروح المعنوية، لأن الفريق الذي يشك في قدراته يهزم نفسه قبل أن يواجهه الخصم.

وحتى اللحظات الأخيرة، تجلى هذا العداء في سلوكيات غير رياضية، كما حدث مع المنتخب السنغالي ومدربه، وصولاً إلى محاولات الشغب التي لولا يقظة واحترافية الأمن المغربي لخرجت عن السيطرة. ومع ذلك، خرج المغرب بمكسب تاريخي هو “الجمهور الواعي”؛ ذلك الجمهور الذي يساند بعفوية وانتماء متجذر، لا عبر حشد عاطفي مصطنع.

في النهاية، نجاح المغرب في التنظيم رسخ صورته كدولة قوية وموثوقة، وهذا النجاح بطبيعة الحال يولد “حسداً هيكلياً”؛ فكلما تقدمت الأمور، زادت حدة المعارضة. المغرب ليس كياناً طارئاً، بل أمة عريقة ضاربة في التاريخ، وهذا الوعي الذي اكتسبه المغاربة اليوم—القدرة على التمييز بين النقد الرياضي والحرب النفسية—هو الانتصار الحقيقي الذي لا يقدر بثمن.