بينما تنشغل الأعين بمتابعة حجم الدمار المادي الذي خلفته الفيضانات الأخيرة في شمال المملكة، وتتجه الجهود نحو إصلاح الطرق وتعويض الخسائر، يبرز وجه آخر للأزمة لا يقل خطورة: الجراح النفسية غير المرئية. خبراء في الصحة النفسية يدقون ناقوس الخطر، مؤكدين أن الصدمة التي عاشتها العائلات المتضررة قد تترك ندوباً غائرة إذا لم يتم التعامل معها بالسرعة والجدية اللازمتين.
في حديثها حول الوضع، توضح الأخصائية النفسية ندى الفضل أن الكوارث الطبيعية ليست مجرد خسارة جدران أو أثاث، بل هي تجربة صادمة تزلزل الشعور بالأمان. وتقول الفضل: “عندما تضرب الفيضانات، يركز الجميع على البيوت المدمرة، لكن هناك جانباً خفياً يتمثل في الرعب الذي عاشه الأطفال والآباء وهم يواجهون قوة الطبيعة وجهاً لوجه”. وتضيف أن ما حدث في مناطق مثل القصر الكبير ليس مجرد حادث عابر، بل هو “صدمة جماعية” تسببت في حالة من التيه والقلق المستمر.
الأرقام والدراسات تؤكد أن ضحايا مثل هذه الكوارث معرضون بشكل كبير للإصابة باضطرابات ما بعد الصدمة، ونوبات الهلع، والاكتئاب. والمشكلة، حسب الخبراء، أن هذه الأعراض قد لا تظهر فوراً، بل تتسلل إلى حياة الضحايا بعد هدوء العاصفة وانصراف الكاميرات. وهنا تبرز أهمية التدخل النفسي المبكر الذي يساعد المتضررين على تفريغ شحنات الخوف واستعادة توازنهم النفسي.
وفي خطوة عملية تعكس روح التضامن، أطلق الأخصائي النفسي إبراهيم حسناوي مبادرة مجانية لتقديم الدعم النفسي “عن بُعد” لفائدة المتضررين. المبادرة التي أعلن عنها عبر منصات التواصل الاجتماعي، تستهدف تقديم “إسعافات نفسية أولية” لمن يعانون من الأرق، القلق، أو الحزن الشديد، خاصة أولئك الذين يصعب عليهم التنقل بسبب تضرر البنية التحتية.
وتشمل هذه الخدمة جلسات فردية وعائلية عبر الهاتف أو تطبيقات الفيديو، مع مراعاة ظروف ضعف التغطية في بعض المناطق. ويشدد المتخصصون على أن إعادة بناء الحجر والشجر ضرورية، لكنها تظل ناقصة إذا ظل الإنسان محطماً من الداخل. فالمعركة الحقيقية للإعمار تبدأ عندما تجف المياه وتنكشف القلوب المثقلة بالهموم، مما يستوجب إدراج البعد النفسي كجزء أصيل من أي خطة طوارئ وطنية.