تحت أضواء ‘النيون’ البراقة وفي غمرة الموسيقى الصاخبة التي تميز ليل مدينة أكادير السياحية، بدأت تبرز إلى السطح معطيات مقلقة تعكر صفو عاصمة سوس. فخلف الواجهات الزجاجية لبعض العلب الليلية المصنفة ضمن فئة ‘الراقية’، لم يعد الأمر يقتصر على الترفيه وتقديم المشروبات، بل تجاوز ذلك إلى بروز شبكات خفية متخصصة في ترويج واستهلاك المخدرات القوية، في ظاهرة باتت تثير الكثير من التساؤلات حول فعالية المراقبة الأمنية والإدارية.
وتشير المعطيات الميدانية التي تم تجميعها من مصادر متطابقة، إلى أن هذه الفضاءات الليلية، التي تستقطب زبناء من طبقات اجتماعية ميسورة، بما في ذلك أبناء ‘الأثرياء’ وسياح من جنسيات أوروبية وآسيوية، تحولت في بعض الحالات إلى نقاط عبور لترويج السموم البيضاء مثل ‘الكوكايين’ وحبوب ‘الإكستازي’. ما يثير الاستغراب هو الطريقة التي تتم بها هذه التجارة؛ حيث تجري في دوائر مغلقة للغاية وبأساليب معقدة يصعب ضبطها، مع توفير ما يشبه ‘الخدمات المتكاملة’ التي تشمل المشروبات الكحولية ومرافقة الفتيات اللواتي يتم استقطابهن وفق معايير معينة، مما يضع هذه المحلات في قلب زوبعة من الانتقادات حول طبيعة الأنشطة الحقيقية التي تحتضنها.
ولا يتوقف المشهد عند حدود الملاهي المعروفة، بل يمتد إلى ‘عالم موازٍ’ يعرف محلياً بـ ‘الأفتر’ (After). وهي فضاءات، غالباً ما تكون مقاهي ‘شيشة’ غير مرخصة، تبدأ نشاطها الحقيقي بعد ساعات الإغلاق الرسمية وتستمر حتى خيوط الفجر الأولى. هذه الأماكن، التي تشتغل في كثير من الأحيان خارج نطاق القانون، توفر البيئة المثالية لاستكمال السهرات المشبوهة بعيداً عن الأعين، حيث ينتعش فيها استهلاك الحبوب المهلوسة والمخدرات الصلبة في غياب تام للمراقبة المنتظمة.
اللافت في الأمر، وبحسب ما يتردد في كواليس المهنيين، هو وجود نوع من ‘التراخي’ أو التداخلات التي قد تسمح لبعض هذه المحلات بالإفلات من الرقابة الصارمة، وهو ما يطرح علامات استفهام كبرى حول مبدأ المساواة في تطبيق القانون. فبينما تلتزم مؤسسات أخرى بـ ‘دفاتر التحملات’ الصارمة، تبدو هذه البؤر وكأنها في حصانة ضد الحملات التفتيشية التي يفترض أن تضع حداً لهذه الفوضى.
اليوم، يجد المسؤولون في مدينة أكادير أنفسهم أمام تحدٍ حقيقي؛ فمن جهة هناك رغبة في تنشيط الحركة السياحية والليلية للمدينة، ومن جهة أخرى هناك ضرورة ملحة لحماية أمن وصحة المواطنين والحفاظ على سمعة المدينة كوجهة سياحية عائلية ونظيفة. إن الرهان الآن معلق على مدى حزم السلطات في تجفيف منابع هذه الشبكات، وقطع الطريق على أي شكل من أشكال التواطؤ، لضمان بقاء ليل أكادير فضاءً للترفيه الراقي وليس مرتعاً للممنوعات.