لم تكن القمة الـ39 لرؤساء دول وحكومات الاتحاد الأفريقي، التي احتضنتها العاصمة الإثيوبية أديس أبابا يومي 14 و15 فبراير، مجرد محطة دبلوماسية عادية للمملكة المغربية، بل شكلت مناسبة متجددة لتأكيد التزام الرباط الراسخ بتعزيز العمل الأفريقي المشترك، مستندة في ذلك إلى رؤية ملكية متبصرة تضع القارة ومصالح شعوبها في صلب الأولويات.
ولعل أبرز ما ميز هذه القمة هو التقدير القاري الكبير الذي حظي به المغرب، والذي تجسد بوضوح في إعادة انتخابه، ومن الدور الأول وللمرة الثالثة، عضواً في مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي. هذا الفوز الكاسح ليس مجرد رقم انتخابي، بل هو شهادة اعتراف دولية وإقليمية بالدور الريادي الذي يلعبه جلالة الملك محمد السادس في إرساء دعائم الاستقرار، وربط السلم بالأمن والتنمية في معادلة ثلاثية متلازمة.
المغرب، ومنذ عودته إلى أسرته المؤسساتية، لم يتوقف عن الدفاع عن قضايا القارة في المحافل الدولية، خاصة داخل أروقة الأمم المتحدة، داعياً دائماً إلى تبني مقاربات واقعية تحترم خصوصيات الدول الأفريقية وتعتمد على مبدأ الشراكة لا الوصاية. وفي هذه القمة، كان ملف “المياه والصرف الصحي” حاضراً بقوة، حيث ساهمت المملكة بفعالية في صياغة خارطة طريق طموحة تتماشى مع أجندة 2063، مع التركيز على الصمود المناخي والأمن الغذائي.
وعلى هامش الأشغال، بادر المغرب بتنظيم لقاءات رفيعة المستوى ناقشت حلولاً مبتكرة لمواجهة ندرة المياه، مروجاً لنموذج فريد من التعاون “جنوب-جنوب”. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل اقترحت المملكة استضافة مؤتمر دولي رفيع المستوى حول المياه في عام 2026، ليكون جسراً نحو مؤتمر الأمم المتحدة للمياه المرتقب في أبوظبي.
وفي ملفات لا تقل أهمية، برزت جهود جلالة الملك بصفته رائداً للاتحاد الأفريقي في موضوع الهجرة، حيث يواصل المغرب الدفع نحو تحويل هذا التحدي إلى رافعة اقتصادية حقيقية عبر مقاربة إنسانية شاملة. كما لم يغب الجانب الصحي عن الأجندة المغربية، إذ جددت الرباط دعمها الكامل لتفعيل الوكالة الأفريقية للأدوية (AMA)، مؤكدة استعدادها لتقاسم خبراتها لضمان سيادة صحية ودوائية قارية قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية بمرونة واستقلالية.