بعد سنوات من الترقب والرداهات المظلمة للمحاكم، طُوي أخيراً ملف قضائي مثير في مدينة أكادير، يعيد إلى الواجهة نقاشاً مجتمعياً قديماً متجدداً حول مسؤولية الجماعات الترابية عن أمن وسلامة المواطنين في الفضاء العام. فقد اضطرت جماعة أكادير إلى الرضوخ لحكم قضائي نهائي يقضي بتعويض أحد المواطنين بمبلغ 50 ألف درهم، كجبر للضرر جراء حادثة تسببت فيها كلاب ضالة كانت تجوب شوارع المدينة.
تعود تفاصيل هذه الواقعة، التي حبست الأنفاس وأثارت تعاطفاً واسعاً، إلى يوم تعرض فيه الضحية لحادثة سقوط مؤلمة من دراجته النارية، بعدما وجد نفسه في مطاردة هوليودية غير متكافئة مع قطيع من الكلاب الضالة. هذا الحادث لم يمر برداً وسلاماً، بل خلف إصابات جسدية استدعت خضوعه لعلاجات طبية مكثفة، مما دفعه إلى سلك درب القضاء الإداري لانتزاع حقه.
المسار القضائي لم يكن مفروشاً بالورود، بل استغرق وقتاً طويلاً وجهداً كبيراً؛ حيث انطلقت الشرارة الأولى من المحكمة الإدارية بأكادير التي أنصفت المشتكي في مرحلة ابتدائية، قبل أن تأتي محكمة الاستئناف الإدارية بمراكش لتؤيد الحكم وتجعله واجب التنفيذ. وفي نهاية المطاف، اكتملت الإجراءات القانونية بصرف التعويض المالي لصالح المتضرر، في خطوة اعتبرها مراقبون انتصاراً للحقوق الفردية ضد أي تقصير في تسيير المرافق العمومية.
هذه النازلة ليست مجرد خبر عابر، بل هي رسالة قوية تكرس مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة”. فالحُكم يؤكد بوضوح أن حماية المواطنين من خطر الحيوانات الضالة في الشوارع تقع على عاتق الجهات المسؤولة عن تدبير المدينة، وأن الإهمال في هذا الجانب يستوجب التعويض المادي والمعنوي.
ومع تزايد هذه الظاهرة في مختلف المدن المغربية، يرتفع منسوب القلق لدى المارة ومستعملي الطريق، مما يضع المجالس الجماعية أمام فوهة البركان. واليوم، لم يعد كافياً الاكتفاء بحلول ترقيعية، بل بات من الضروري اعتماد مقاربات ميدانية ناجعة تجمع بين الوقاية والحلول المستدامة، مع تعزيز وعي المغاربة بأن مكاتب القضاء مفتوحة لإنصاف كل من طاله ضرر ناتج عن تقاعس في تدبير الفضاء العام.