عادت الروح من جديد إلى محطة القطار بطنجة صبيحة يوم الأحد، حيث غصت الأرصفة بمئات المواطنين من أبناء مدينة القصر الكبير، الذين انتظروا بشوق لحظة الصعود إلى القطارات المتجهة صوب ديارهم، بعد أسابيع من النزوح القسري الذي فرضته الفيضانات الأخيرة.
منذ السابعة صباحاً، بدأت ملامح الارتياح تظهر على وجوه العائلات، وهم يحملون أمتعتهم وأطفالهم، مترقبين إعادة فتح المسارات نحو مدينتهم التي غادروها تحت وطأة تهديد المياه الجارفة لنهر اللوكوس. وتكتسي هذه العودة أهمية خاصة، كونها تأتي قبل أيام قليلة من حلول شهر رمضان المبارك، وهو الموعد الذي يحرص فيه المغاربة على لم شمل الأسر داخل بيوتهم.
من بين العائدين، التقينا بعبد السلام المودن، أحد سكان حي «سي عبد الله»، الذي حكى لنا كيف غادر منزله مكرهاً بعد إلحاح السلطات المحلية. يقول عبد السلام وهو على متن القطار الذي تحرك من طنجة في حدود الثامنة والثلث صباحاً: «لم أكن أرغب في الرحيل، لكن المسؤولين أصروا على أن الإخلاء ضروري لسلامتنا». عبد السلام قضى 13 يوماً في حي «بير الشيفا» بطنجة رفقة ابنته، بينما استقرت زوجته وأبناؤه في منطقة قروية مجاورة، معبراً عن امتنانه للعناية الملكية والتدخلات السريعة التي خففت من معاناة المتضررين.
على رصيف آخر، كانت فاطمة، القادمة من حي «السلام»، تنتظر رفقة ابنتيها منذ الفجر لضمان مقعد في أولى الرحلات. تؤكد فاطمة بابتسامة لا تخلو من تعب: «فرحتنا لا توصف بالعودة. رغم كرم الأقارب الذين استضافونا، إلا أن لا شيء يعوض دفء البيت، خاصة في هذه الظروف الصعبة».
من الناحية التنظيمية، أعلنت السلطات أن العودة ستشمل تدريجياً أحياء عدة، منها حي السلام، بعدما سجلت مستويات المياه تراجعاً ملحوظاً. وحسب مصادر محلية، فمن المتوقع أن تنقل الرحلات المنطلقة من طنجة عبر أصيلة ما يقارب 1000 مسافر يومياً، بمعدل رحلة كل ساعتين، لاستيعاب آلاف النازحين الراغبين في استعادة إيقاع حياتهم الطبيعي.
تأتي هذه الخطوة بعد فترة عصيبة عاشتها المدينة، حيث اضطر المسؤولون لإصدار أوامر إخلاء شاملة عقب تقارير حذرت من ارتفاع منسوب المياه لأكثر من خمسة أمتار في بعض المناطق، مما كان يهدد الأرواح والممتلكات بشكل جدي. واليوم، ومع تحسن الأجواء، تستعد القصر الكبير لطي صفحة الفيضانات واستقبال الشهر الفضيل في أجواء من الطمأنينة.