لا يزال ملف “أعوان السلطة”، من مقدمين وشيوخ، يثير الكثير من الحبر والنقاش في أروقة الإدارة الترابية بالمغرب. فهذه الفئة، التي تشكل العمود الفقري للتواصل المباشر مع المواطنين يومياً، تجد نفسها اليوم أمام مفارقة عجيبة: فبينما يرفع المغرب شعارات تحديث الإدارة وتكريس الحكامة الجيدة، لا يزال هؤلاء الموظفون يعملون وفق مقتضيات مرسوم يعود إلى سنة 1963.
تطرح هذه الوضعية القانونية تساؤلات مشروعة حول سر هذا التأخير المريب في إخراج قانون أساسي ينظم هذه المهنة. فمن غير المنطقي، في عصر الرقمنة والسرعة، أن تظل فئة حيوية تؤدي مهاماً جسيمة في الميدان دون إطار قانوني عصري يحمي حقوقها ويحدد واجباتها بدقة. إن غياب هذا الإطار يفتح الباب أمام الكثير من الضبابية التي قد تؤثر على جودة المرفق العام الذي يخدم المواطن البسيط.
من جانبها، لم تتوقف “تنسيقية أعوان السلطة” عن دق أبواب وزارة الداخلية، مطالبة بإلحاح بتسريع وتيرة إخراج القانون المنتظر. لا تتوقف مطالبهم عند الجانب التنظيمي فحسب، بل تمتد لتشمل تحسين الأجور والتعويضات، وإقرار نظام للترقية يعتمد على الأقدمية والكفاءة، والأهم من ذلك؛ ضمان تقاعد يصون كرامتهم بعد سنوات طويلة من العمل الميداني الشاق.
ولا يخفي الأعوان معاناتهم مع ظروف عمل محفوفة بالمخاطر، حيث يواجهون أحياناً اعتداءات جسدية ولفظية أثناء تأدية مهامهم، مما يجعل مطلب “الحماية القانونية والتغطية الصحية” أولوية قصوى لا تقبل التأجيل. كما تشير أصوات داخل التنسيقية إلى وجود معوقات أخرى، منها ما وصفته بـ”التحكم” في المسارات المهنية للأعوان من قبل بعض المسؤولين، بالإضافة إلى ملفات عالقة لحملة الشهادات وشيوخ القرى الذين ينتظرون التفاتة حقيقية.
إن الرهان اليوم يتجاوز مجرد تحسين وضعية مهنية؛ إنه رهان على إصلاح إداري حقيقي. فالإدارة المغربية لا يمكن أن تستقيم وتتطور دون أن يكون لكل فرد فيها مركز قانوني واضح وكرامة مصونة. فهل تستجيب وزارة الداخلية لنداءات هؤلاء الجنود المجهولين في الإدارة الترابية، وتنهي حالة “الهشاشة المهنية” التي طال أمدها؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالرد.