بعيداً عن صخب الحياة المادية، وفي أجواء طبعتها الطمأنينة والصفاء، شهدت مدينة ‘هيوسدن’ الهولندية محطة استثنائية ضمن المسار الروحي الذي يقوده الشيخ محمد فوزي الكركري في عدد من العواصم والمدن الغربية. اللقاء الذي احتضنته قاعة ‘هارت فان هيوز’ تحت وسم ‘طريق النور’، شكّل فرصة حقيقية للجالية المغربية والمسلمة، وكذا للعديد من الباحثين والمهتمين بعوالم التصوف، للغرف من منبع الروحانيات الإسلامية الأصيلة.
منذ اللحظات الأولى، كان الحضور وازناً ومتنوعاً؛ فلم يقتصر الأمر على مريدي الطريقة الكركرية فحسب، بل امتد ليشمل أكاديميين ومهتمين بمسألة تزكية النفس وبناء السلم الداخلي. انطلقت الفعاليات بآيات بينات من الذكر الحكيم تلتها أذكار صوفية جماعية، شحنت فضاء القاعة بنفحات إيمانية لامست القلوب قبل الآذان، مما أضفى على المكان صبغة من الود والمحبة.
وفي كلمة توجيهية جامعة، أبحر الشيخ محمد فوزي الكركري بالحاضرين في أبعاد الذكر الحكيم وأثره البالغ في حياة المسلم المعاصر. ولم يكتفِ الشيخ بالجانب النظري، بل ركز على ‘آليات تطهير النفس البشرية’، مؤكداً أن المحبة والإحسان هما الركيزتان الأساسيتان في بناء الإنسان أخلاقياً وروحياً. كما شدد على أن رسالة الطريقة الكركرية هي رسالة انفتاح وسلام، تدعو إلى التعايش بين الشعوب والحضارات بعيداً عن لغة الصدام والفرقة.
ما ميز هذا اللقاء هو ذلك الحوار المباشر والتشاركي، حيث فُتح الباب أمام الحاضرين لطرح أسئلتهم وهواجسهم الروحية. الشيخ الكركري، وبسعة صدر معهودة، أجاب على تساؤلات محورية مست السلوك الروحي وكيفية السير في طريق التربية الإحسانية وسط تحديات العصر الحالي، في جو ساد فيه الاستماع المتبادل والاحترام العميق بين الشيخ ومريديه ومحبيه.
ولم تخلُ الأمسية من لحظات وجدانية مؤثرة، حيث ارتفعت أصوات الذاكرين بمدائح نبوية وسماع صوفي رفيع، اختلطت فيه مشاعر الشوق بالنشوة الروحية، لترتقي الأنوار في حضرة غلب عليها الصدق والسكينة. وتأتي هذه الخطوة في إطار سلسلة من الأنشطة العلمية والتربوية التي تحرص الطريقة الكركرية على تنظيمها عبر ربوع أوروبا، بهدف ترسيخ قيم التعارف بين الثقافات المختلفة، وتقديم الجوهر المتسامح والرسالة الأخلاقية الإنسانية للدين الإسلامي الحنيف.
واختُتم هذا المحفل الديني البارز برفع أكف الضراعة إلى العلي القدير في دعاء شامل، تضرعت فيه القلوب قبل الألسن، بأن ينشر الله السلام والأمان في ربوع المعمورة، وأن يشع نور المحبة في قلوب بني البشر أجمعين؛ ليغادر الحاضرون وهم محملون بمشاعر الأخوة الصادقة والعزم على مواصلة السير في دروب الخير والفضيلة والإخاء الإنساني.