يبدو أن زمن الشعارات الرنانة وحملات “لا للعنصرية” التقليدية قد انتهى في أروقة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، لتبدأ مرحلة جديدة من الضرب بيد من حديد. في تحرك وصفه مراقبون بـ”الثوري”، يتجه الجهاز الوصي على اللعبة عالمياً نحو إقرار عقوبات قاسية قد تصل إلى الطرد المباشر لأي لاعب يتعمد تغطية فمه أثناء المشادات الكلامية، في حال ثبوت تلفظه بعبارات عنصرية.
هذا التوجه الجديد لم يأتِ من فراغ، بل فجرته الواقعة الأخيرة التي كان بطلها البرازيلي فينيسيوس جونيور، نجم ريال مدريد، الذي اتهم جيانلوكا بريستيان، لاعب بنفيكا، بتوجيه إهانات تمييزية ضده خلال إحدى المباريات. ورغم نفي اللاعب الأرجنتيني الشاب لهذه التهم، إلا أن السلطات الكروية قررت إيقافه عن مباراة الإياب بانتظار ما ستسفر عنه التحقيقات الرسمية، وهو ما أعطى إشارة واضحة بأن “فيفا” لن يتسامح مع أي شبهة سلوك عنصري.
وفي حديث يعكس رغبة حقيقية في تنقية الملاعب، خرج جياني إنفانتينو، رئيس الاتحاد الدولي، بتصريحات قوية لشبكة “سكاي نيوز”، مؤكداً أن السلوك المتمثل في تغطية الفم عند التحدث إلى الخصم بات يُنظر إليه كمؤشر على إخفاء كلمات غير لائقة. وقال إنفانتينو بلهجة واثقة: “إذا قام لاعب بتغطية فمه ونطق بعبارة عنصرية، فيجب بالطبع طرده فوراً.. من ليس لديه ما يخفيه، لن يحتاج إلى تغطية فمه”.
هذا الإجراء المرتقب ناقشه مجلس “فيفا” بجدية بالغة، حيث شدد الأعضاء على ضرورة تحويل الملاعب إلى بيئة آمنة وخالية من خطاب الكراهية. الفكرة هنا ليست فقط في معاقبة الفعل، بل في محاصرة “الوسيلة” التي يستخدمها بعض اللاعبين للهروب من قراءة الشفاه أو الكاميرات التلفزيونية التي تترصد كل حركة وسكنة.
إن ما نراه اليوم هو تحول جوهري في استراتيجية مكافحة التمييز؛ فبدلاً من الغرامات المالية التي قد لا تؤثر في نجوم يتقاضون الملايين، أصبح التهديد بالاستبعاد المباشر من المباراة هو السلاح الأقوى. هي رسالة صريحة لكل من تسول له نفسه إفساد متعة كرة القدم بسموم العنصرية: “الملاعب تراك، والقانون لن يرحمك، والتستر وراء اليد لن يحميك من الورقة الحمراء”.