عادت قسوة الطبيعة لتفرض نفسها من جديد على إقليم شفشاون، حيث جعلت أمطار شتاء 2026 الأخيرة من المدينة الجبلية الجميلة مسرحاً لفيضانات متكررة، أربكت حياة السكان وحولت يومياتهم إلى رحلة بحث عن الأمان.
لم تعد الأمطار في شفشاون مجرد خير وبركة، بل أضحت مصدراً للقلق الدائم. فمع كل زخة مطر قوية، ترتفع مناسيب المياه في الأودية والشعاب، لتغمر القرى والأحياء السكنية، وتخلف وراءها خرابا في الأثاث والممتلكات الخاصة. المشاهد القادمة من عين المكان تتحدث عن نفسها؛ بيوت تئن تحت وطأة تسرب المياه، وطرقات مقطوعة تزيد من حدة العزلة، خاصة في المناطق الجبلية الوعرة التي أصبحت فيها الحركة أشبه بالمغامرة المحفوفة بالمخاطر.
ومع تراكم الأوحال وانجراف التربة، وجدت العشرات من العائلات نفسها مضطرة لإخلاء منازلها قسراً، بينما اختارت أخرى البقاء في حالة استنفار دائم، تترقب السماء وتخشى تكرار سيناريو الغرق. في المقابل، لم تهدأ طواقم الوقاية المدنية والسلطات المحلية التي خاضت معركة سباق مع الزمن لتصريف المياه وفتح المحاور الطرقية المقطوعة، في محاولة لفك الحصار عن الدواوير المتضررة.
لكن اللافت في هذه الأزمة هو ذلك التلاحم الإنساني؛ فقد هبّ نشطاء المجتمع المدني ومتطوعون من كل حدب وصوب لتقديم يد العون، منظفين المنازل الموحلة ومقدمين الدعم الأساسي للمتضررين، في صورة تعكس جوهر التضامن المغربي الأصيل.
هذه الحوادث المتكررة دقت ناقوس الخطر حول هشاشة البنية التحتية في المناطق الجبلية، وأعادت طرح أسئلة جوهرية حول قدرتها على الصمود أمام التغيرات المناخية. لم يعد كافياً اليوم الاكتفاء بالتدخلات الموسمية، بل بات من الضروري التفكير بجدية في حلول استباقية؛ تشمل تهيئة شبكات تصريف مياه الأمطار، وتطوير التخطيط العمراني، وتكثيف المراقبة على البناء في المناطق المهددة.
إن الرهان اليوم، وبعد كل هذه الخسائر المادية والمعنوية، يظل معقوداً على تضافر جهود الجميع، من سلطات ومنتخبين وفعاليات مدنية، لجعل شفشاون أكثر قدرة على مواجهة قسوة الطبيعة، وحماية أرواح وممتلكات ساكنتها قبل فوات الأوان.