تعيش قرى إقليم القنيطرة على وقع لحظات عصيبة، حيث تحولت المساحات الخضراء الشاسعة إلى بحيرات ممتدة، بعد أن اجتاحت سيول جارفة المنطقة، مجبرةً المئات من العائلات على حزم أمتعتها والفرار بحثاً عن الأمان. المشهد في الميدان لا يحتاج إلى كثير من الوصف؛ مياه متدفقة بقوة غير معهودة منذ عقود، وسكان يسابقون الزمن لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تبتلع المياه بيوتهم ومصادر رزقهم.
الوضع بدأ يخرج عن السيطرة مع الارتفاع المفاجئ في منسوب المياه نتيجة التساقطات المطرية الغزيرة، مما دفع السلطات العمومية إلى إصدار تعليمات فورية بالإخلاء. وحسب ما عاينته المصادر الميدانية، فإن حجم الأضرار تجاوز التوقعات، حيث لم تشهد المنطقة فيضانات بهذا الحجم منذ أكثر من عشرين عاماً، ما جعل القرى تبدو وكأنها تحت حصار مائي حقيقي.
القطاع الفلاحي، الذي يعد شريان الحياة في الإقليم، تلقى ضربة موجعة. فقد غمرت المياه مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية المخصصة لزراعة القمح والشعير والبرسيم، بالإضافة إلى ضياع محاصيل الخضروات بالكامل. هذا الاجتياح المائي جاء نتيجة فيضان نهري ‘سبو’ و’بهت’، اللذين خرجا عن مجراهما الطبيعي ليدمرا البنية التحتية للري ويغرقا مئات الهكتارات.
وفي مشاهد مؤثرة، شوهد الفلاحون وهم يقودون ماشيتهم من أبقار وأغنام وخيول وسط المياه، في رحلة نزوح يطبعها القلق والغموض. صرح بعضهم لجريدتنا بأن مغادرة المنازل لم تعد خياراً بل ضرورة ملحة، خاصة مع استمرار التوقعات الجوية التي تشير إلى مزيد من التقلبات في الأيام القادمة. هذا النزوح الجماعي تسبب في اختناق مروري حاد على الطرق المؤدية إلى جماعة ‘مقرن’، حيث اتجهت أغلب العائلات صوب مراكز الإيواء أو الأسواق الأسبوعية مثل ‘سبت أولاد سلامة’ و’سوق أحد أولاد جلول’.
ولم تكتفِ المياه بتهجير البشر، بل قطعت أوصال المنطقة بعدما غمرت الطرق الثانوية، لا سيما الطريق الرابطة بين ‘مقرن’ وسيدي علال التازي. وفي هذا الصدد، انتشرت وحدات الدرك الملكي بكثافة لتوجيه السائقين نحو مسارات بديلة وتأمين حركة المرور في المناطق المتاخمة لنهر بهت.
قرى بأكملها، مثل قرية ‘أولاد عامر’، أصبحت اليوم شبه مهجورة بعد أن غادرها سكانها منذ صباح الإثنين. يقول محمد، أحد السكان الذين فضلوا البقاء لمراقبة الوضع: ‘الوضع صعب للغاية، كبار السن في القرية يؤكدون أنهم لم يروا المياه بهذا المنسوب من قبل، والخوف كل الخوف مما ستأتي به الساعات القادمة’.
وعلى الصعيد الوطني، أكدت وزارة الداخلية أن عمليات الإجلاء شملت حتى الآن أكثر من 108 آلاف شخص في مختلف مناطق المملكة، نال إقليم القنيطرة منها نصيباً كبيراً بإجلاء ما يزيد عن 14 ألف مواطن، وسط تعبئة لوجستية وبشرية كبرى لمحاصرة تداعيات هذه الكارثة الطبيعية.