من يضع قدميه في منطقة ‘درب عمر’ الشهيرة بقلب العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء، يدرك فوراً أن المشهد لم يعد مجرد نشاط تجاري مكثف، بل تحول إلى ‘فوضى عارمة’ عجزت السلطات المحلية عن كبح جماحها. ففي هذا الشريان النابض، لم يعد للرصيف وجود، بعدما ابتلعته السلع والبضائع المعروضة بشكل عشوائي، لتجبر المارة على خوض مغامرة حقيقية وسط السيارات والشاحنات.
هذا الوضع النشاز، الذي صار مألوفاً لزوار المنطقة، لم يعد يثير حنق المارة فحسب، بل دفع عدداً من المهنيين والتجار النظاميين إلى دق ناقوس الخطر. إذ يرى هؤلاء أن الترامي على الملك العمومي لا يسيء فقط لجمالية المركز التجاري الأهم في المغرب، بل يضرب في الصميم مبدأ المنافسة الشريفة؛ ففي الوقت الذي يلتزم فيه البعض بالقانون ويؤدي الضرائب والرسوم، يختار آخرون التوسع خارج حدود محلاتهم دون رقيب أو حسيب.
وخلال ساعات الذروة، تتحول الأزقة الضيقة إلى متاهات بشرية حقيقية. المواطنون يعبرون عن استيائهم من صعوبة التنقل، حيث تضيق المسالك لدرجة لا تسمح بمرور أكثر من شخص واحد في كثير من الأحيان، ما يفتح الباب أمام حوادث احتكاك ومشاحنات يومية كان من الممكن تفاديها لو احترم الجميع حدود ملكه.
مراقبون ومتتبعون للشأن المحلي بالدار البيضاء يتساءلون اليوم عن سر هذا ‘الصمت المطبق’ من طرف السلطات. فبالرغم من النداءات المتكررة لتنظيم الفضاء، لا يزال الحال على ما هو عليه، مما يطرح علامات استفهام حول مدى الجدية في تحرير الملك العمومي وضبط إيقاع الحركة في قطب تجاري يقصده الزبناء من كل فج عميق. إن التحدي القائم اليوم ليس منع النشاط التجاري، بل إيجاد تلك المعادلة المفقودة التي تضمن للتجار أرزاقهم، وتحفظ للمواطن حقه البديهي في المشي على رصيف آمن ومنظم.