تعيش فرنسا على وقع غليان سياسي وأمني متصاعد، بعدما أعلنت السلطات القضائية، اليوم الاثنين، فتح تحقيق رسمي في قضية «قتل عمد» استهدفت ناشطاً ينتمي لأقصى اليمين. الحادثة التي وقعت بمدينة ليون لم تمر برداً وسلاماً، بل تحولت سريعاً إلى وقود يشعل الصراع التقليدي بين اليمين المتطرف واليسار الراديكالي، في توقيت حساس يسبق الانتخابات البلدية المرتقبة في مارس.
القصة بدأت يوم الخميس الماضي، حين لفظ الشاب كوينتين ديرانك (23 عاماً) أنفاسه الأخيرة متأثراً بإصابة بليغة في الدماغ. وحسب ما كشفه المدعي العام بليون، تييري دران، فإن الضحية تعرض لهجوم عنيف من طرف «ستة أشخاص على الأقل» على هامش احتجاجات نظمتها قوى يمينية ضد ندوة لسياسي يساري في إحدى الجامعات. المشهد كان أشبه بـ «حرب شوارع»؛ حيث استُخدمت فيها القضبان الحديدية، وفق شهود عيان، بينما أظهرت مقاطع فيديو متداولة لحظات قاسية لتعرض أشخاص للضرب المبرح وهم ملقون على الأرض.
الحكومة الفرنسية لم تقف مكتوفة الأيدي، بل وجهت أصابع الاتهام صراحة إلى «المناخ العنيف» الذي تروج له حركة «فرنسا الأبية» (أقصى اليسار). المتحدثة باسم الحكومة، مود بريجون، اعتبرت أن الحزب يتحمل «مسؤولية أخلاقية» عما حدث، متهمة إياه بتغذية الكراهية لسنوات. في المقابل، سارعت الجماعات المناهضة للفاشية، ومنها مجموعة «الحرس الفتي»، إلى نفي أي صلة لها بالواقعة، رغم أن التحقيقات أدت إلى منع أحد مساعدي النائب البرلماني رافائيل أرنو من دخول مبنى البرلمان بعد ورود اسمه في التحريات.
هذه الواقعة الأليمة تأتي في ظرفية سياسية معقدة؛ فاستطلاعات الرأي تضع اليمين المتطرف بقيادة مارين لوبان وجوردان بارديلا في صدارة التوقعات لانتخابات الرئاسة 2027. وبينما تندد لوبان بما وصفته بـ «الهمجية واللينش»، يجد اليسار نفسه في مأزق حقيقي، حيث بدأ الانقسام يدب في صفوفه؛ إذ أعلن رفائيل غلوكسمان، أحد وجوه اليسار الوسط، استحالة التحالف مجدداً مع حزب ميلانشون، معتبراً أن العنف السياسي خط أحمر لا يمكن تجاوزه.
بين مطرقة التحقيقات القضائية التي لم تسفر عن اعتقالات حتى الآن، وسندان الاستقطاب السياسي الحاد، تترقب فرنسا ما ستسفر عنه الأيام القادمة، وسط مخاوف من أن تتحول الشوارع إلى ساحة لتصفية الحسابات الأيديولوجية.