بعد غياب طويل عن الأضواء دام قرابة 14 عاماً، عاد عبد الهادي خيرات، القيادي السابق في الاتحاد الاشتراكي والملتحق حديثاً بحزب التقدم والاشتراكية، ليثير الجدل السياسي بمواقف صريحة وتشخيص دقيق لواقع اليسار المغربي. خيرات، الذي أطل عبر برنامج «نقطة إلى السطر» على القناة الأولى، لم يكن يتحدث بمنطق الحنين إلى الماضي بقدر ما كان يضع يده على جروح الحاضر.
لم تكن عودة خيرات للعمل السياسي مدفوعة بطموحات شخصية كما يروج البعض، بل جاءت استجابة لواقع مرير يعيشه إقليم سطات؛ حيث رسم صورة قاتمة للأوضاع هناك، موضحاً أن الإقليم عاش سنوات عجاف تجلت في استفحال البطالة وتراجع القطاع الفلاحي الذي يعد القلب النابض للمنطقة. هذا التردي، بالإضافة إلى الصعوبات التي واجهها مربو الماشية، كان بمثابة «المنبه» الذي أعاد خيرات إلى حلبة النضال من موقع جديد.
وحول اختياره «الرحيل السياسي» نحو رفاق نبيل بنعبد الله، أكد خيرات أن علاقته التاريخية بحزب «الكتاب» تفاعله المستمر مع مناضليه جعله الوجهة الأقرب لمساره النضالي، رغم أن بوصلته اتجهت في البداية نحو حزب العدالة والتنمية عقب مغادرته للاتحاد الاشتراكي. وبعيداً عن التموقعات الحزبية، وجه خيرات رسالة مباشرة لليساريين: «عليكم بالوحدة والابتعاد عن المناوشات الجانبية»، مؤكداً أن العودة للقوة تتطلب تقديم بدائل حقيقية تلامس تطلعات المواطن البسيط.
وفي تشخيص لافت للسياسات العمومية، انتقد خيرات الفجوة بين الاستثمار في البنيات التحتية الكبرى وبين التقدم الاجتماعي، مشيراً إلى أن الولوج للصحة والتعليم ظل حكراً على طرق محدودة أو خاصة، بعدما تخلت الدولة عن دورها المركزي في تكوين الكفاءات. كما توقف عند مفارقات صارخة، مستشهداً بجهات مثل «زاكورة» التي شهدت تدفق مستثمرين يوجهون الإنتاج للتصدير، مما يطرح تساؤلات حارقة حول العدالة المجالية واستنزاف الموارد المحلية.
وبمنطق العارف بخبايا التاريخ، استرجع خيرات محطات من تجربة حكومة عبد الرحمان اليوسفي التي أرست دعائم مشاريع اجتماعية ضخمة، رابطاً أزمة الثقة الحالية في السياسة بتراكم الاختلالات الاجتماعية رغم المنجز الاقتصادي. وأشار إلى أن تشخيص الملك محمد السادس لـ «مغرب بسرعتين» يستوجب تعبئة الكفاءات المغربية لتنزيل مخرجات النموذج التنموي الجديد، محذراً من بقاء هذه الوثائق «حبراً على ورق».
خلص خيرات إلى أن المشهد الحزبي بالمغرب يعاني من عطب بنيوي يستدعي إصلاحاً عميقاً يعيد الاعتبار للفاعل السياسي. عودة قامة مثل خيرات تفتح الباب على مصراعيه أمام تساؤل جوهري: هل تستطيع نخب التجارب السابقة ضخ دماء جديدة في جسد الأحزاب المنهك، أم أن الساحة باتت تتطلب أدوات وصناع قرار من طينة مختلفة تماماً؟