في مشهد تجاوز حدود التنافس الرياضي المعهود، تحول ملعب ‘نيلسون مانديلا’ بالعاصمة الجزائرية إلى منصة سياسية مفتوحة، غطت فيها صرخات الجماهير الغاضبة على صافرات الحكم وأجواء ‘العرس الكروي’. نهائي كأس الجمهورية لموسم 2025-2026، الذي جمع بين قطبي العاصمة ‘اتحاد الجزائر’ و’شباب بلوزداد’ يوم 30 أبريل 2026، لم يكن مجرد مباراة للظفر بلقب غالٍ، بل تحول إلى ‘ترمومتر’ حقيقي لقياس درجة الغليان الشعبي تجاه السلطة الحالية.
منذ اللحظات الأولى، وبحضور الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون شخصياً في المنصة الشرفية، لم تتردد حناجر الآلاف من المشجعين في إطلاق شعارات سياسية لاذعة هزت أركان الملعب. الهتافات التي وُصفت بـ ‘القاسية’، لم توفر الرئيس ولا محيطه، حيث صدحت المدرجات بعبارات مباشرة من قبيل ‘يا السراقين كليتو البلاد’، و’تبون مزور جابوه العسكر’، في إشارة صريحة إلى التشكيك في شرعية النظام الحالي وطريقة تدبيره لشؤون البلاد.
هذا الانفجار الجماهيري لم يمر مرور الكرام، حيث اعتبر الناشط السياسي والإعلامي سعيد بن سديرة أن ما حدث في هذا النهائي لا يمكن تصنيفه كـ ‘فورة غضب عابرة’ أو مجرد انفعالات جماهيرية مرتبطة بنتيجة المباراة. ووصف بن سديرة الواقعة بأنها ‘رسالة قوية جداً من الشعب’، محذراً من أن اللغة الحادة والمصطلحات الصادمة التي استخدمتها جماهير الفريقين تنذر بـ ‘مستقبل أسوأ وتسونامي يقترب’، وهو ما يعكس حجم الاحتقان الدفين في الشارع الجزائري.
ويرى مراقبون أن ملاعب كرة القدم باتت اليوم في الجزائر ‘البرلمان البديل’ والقوة الأكبر للتعبير السياسي، في ظل غياب قنوات الحوار التقليدية أو الثقة في صناديق الاقتراع. فالجماهير التي وجدت نفسها وجهاً لوجه مع هرم السلطة، لم تفوت الفرصة لإيصال صوتها دون وسيط أو رتوش، مما جعل المباراة تتحول إلى ‘مرآة عاكسة’ لواقع الاحتقان السياسي والاجتماعي.
التقارير الميدانية أكدت أن وتيرة الاحتجاجات والهتافات المعادية تصاعدت بشكل كبير خلال أطوار اللقاء، مما دفع الرئيس تبون إلى مغادرة الملعب تحت حراسة أمنية مشددة جداً، في مشهد يجسد حالة التوتر التي خيمت على نهاية المباراة. هذا الهروب من ‘جحيم المدرجات’ يطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل العلاقة بين النظام والشارع، ويؤكد أن الكرة في الجزائر لم تعد مجرد جلد منفوخ، بل أصبحت لغة سياسية بامتياز يصعب إسكاتها.