في خطوة لم تكن في الحسبان، بدأت ملامح ‘تمرد’ هادئ تظهر في أروقة العواصم الأوروبية الكبرى تجاه السياسات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط. لم يعد الأمر مجرد تقارير إخبارية عابرة، بل واقعاً يفرض نفسه بعد أن أغلقت كل من إسبانيا وفرنسا وإيطاليا أبواب قواعدها الجوية أمام أي تحرك عسكري أمريكي محتمل ضد إيران.
هذا الرفض ليس مجرد قرار تقني أو إجراء إداري، بل هو انعكاس لتحول استراتيجي عميق. يبدو أن هذه الدول قررت أخيراً أن تضع مسافة فاصلة بين أمنها القومي وبين مغامرات واشنطن في المنطقة. فبينما تكتوي أوروبا بنيران أزمة الطاقة وتداعيات الحرب في أوكرانيا، يدرك صناع القرار في باريس ومدريد وروما أن الانجرار إلى نزاع واسع النطاق مع طهران يعني فتح أبواب الجحيم على القارة العجوز، بدءاً من اضطرابات أسواق الطاقة وصولاً إلى التهديدات الأمنية التي قد تصل إلى قلب المدن الأوروبية.
إن الرسالة التي وجهتها هذه العواصم إلى البيت الأبيض واضحة وصريحة: التحالف لا يعني بالضرورة ‘التبعية العمياء’. فالعلاقة الأطلسية تمر اليوم باختبار حقيقي، حيث لم تعد المصالح الأمريكية تتطابق تلقائياً مع الأولويات الأوروبية. هذا التباعد يضع حلف شمال الأطلسي (الناتو) أمام منعطف وجودي، فهل يظل الحلف كياناً موحداً، أم أننا نشهد بداية لتفكك الرؤى الاستراتيجية بين ضفتي الأطلسي؟
أما بالنسبة لملف إسرائيل، فإن هذا الموقف الأوروبي يبعث بإشارات مقلقة لتل أبيب. فمحاولات الدفع نحو تقارب استراتيجي أوسع بين إسرائيل والحلف قد تصطدم بحدود ‘الصبر الأوروبي’. فالتطورات الأخيرة كشفت عن رغبة متزايدة لدى الدول الأوروبية في انتزاع قرارها السيادي من عباءة واشنطن، خاصة عندما يتعلق الأمر بملفات باهظة التكلفة استراتيجياً وأمنياً.
خلاصة القول، إن ما نشهده ليس مجرد سحابة صيف عابرة في العلاقات الدولية، بل إرهاصات مرحلة جديدة. مرحلة لا يعود فيها العالم يدار بقرار واحد من واشنطن، بل بعالم متعدد الأقطاب والمصالح، حيث تعيد فيه أوروبا تعريف دورها، وتضع فيه الأولويات الوطنية فوق اعتبارات الولاء للتحالفات التقليدية. الأيام القادمة ستكشف بلا شك عن حجم هذا الصدع، وعما إذا كان سيتحول إلى شق دائم في جدار القوة الغربية.