استفاق الرأي العام على خبر أثار الكثير من علامات الاستفهام والجدل، بعد إعلان السلطات الروسية عن تصدير شحنة ضخمة من «أمعاء الخنازير المملحة» متجهة صوب الموانئ المغربية. الخبر الذي نقلته الهيئة الفيدرالية الروسية للرقابة البيطرية والصحية، أكد خروج نحو 22.2 طن من هذه المواد من منطقة «كورسك» في السادس عشر من فبراير الجاري، بعد خضوعها لكافة المعايير والبروتوكولات الصحية المعتمدة.
ولأن الموضوع يمس ثقافة استهلاكية وحساسية دينية معينة، كان من الطبيعي أن يتساءل الكثيرون: ماذا سيفعل المغرب بكل هذه الكمية من أمعاء الخنازير؟ وهل ستجد طريقها إلى موائد الطعام؟ الإجابة، وبحسب المعطيات التقنية والطبية، تبدو بعيدة تماماً عن قطاع التغذية بالمملكة، حيث يظل الاعتماد في الصناعات الغذائية المحلية محصوراً في أمعاء الأبقار والأغنام «الحلال».
في المقابل، تبرز الصناعات الطبية والمخبرية كوجهة رئيسية لهذه المواد. فأمعاء الخنازير ليست مجرد مخلفات، بل هي منجم لـ «الكولاجين» والأغشية الحيوية التي تدخل في صميم الجراحات الدقيقة. وتستخدم هذه الأنسجة، بعد معالجات كيميائية وفيزيائية معقدة وطويلة، في إنتاج الخيوط الجراحية القابلة للامتصاص، وصناعة الرقع الطبية التي تعالج الفتق، بل وحتى في تصنيع صمامات القلب الحيوية وأدوات ترميم الأنسجة التالفة.
ويرى المتخصصون أن هذه المواد ضرورية في البحث العلمي والمختبرات الطبية، حيث تمتاز بمرونة وخصائص بيولوجية تجعلها مثالية لتطبيقات جراحة التجميل والجهاز الهضمي. ورغم أن الاستخدام العالمي لهذه الأمعاء يشمل أيضاً صناعة أغلفة السجق (النقانق) نظراً لمقاومتها العالية للحرارة والتدخين، إلا أن السياق المغربي يوجه بوصلة هذه الواردات نحو الشقين الطبي والصناعي البحت، بعيداً عن الاستهلاك البشري المباشر.
يبقى التحدي الأكبر أمام مثل هذه الصفقات هو التوضيح والتواصل، لتبديد أي لبس قد يقع فيه المواطن العادي، وفهم أن المواد الأولية في عالم الطب والعلوم قد تأتي من مصادر غير متوقعة، لكنها تمر عبر قنوات تضمن تحولها الكامل إلى منتجات صحية مرخصة وآمنة.