24 ساعة

سوس ماسة.. حينما يتحول تأخر ‘تصاميم التهيئة’ إلى وقود لنيران البناء العشوائي

في وقت تراهن فيه جهة سوس ماسة على إقلاع تنموي متوازن، تجد العديد من جماعاتها الترابية نفسها اليوم في مواجهة ‘حمى’ البناء العشوائي التي لا تتوقف. هذا الزحف العمراني غير المنظم، الذي بات يغير ملامح المنطقة، لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة مباشرة لتأخر مزمن في إصدار وتحيين وثائق التعمير، ما جعل ‘الإسمنت العشوائي’ يسابق الزمن مستغلاً الثغرات التنظيمية في خرق سافر لمقتضيات القانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير، والقانون رقم 25.90 الخاص بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية.

ويرى مراقبون أن هذا ‘البلوكاج’ في الوثائق المرجعية لا يضرب فقط القوانين عرض الحائط، بل يصطدم مباشرة مع التوجهات الاستراتيجية التي وضعتها الوزارة الوصية. فالوكالات الحضرية، وتحت إشراف وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان، تجد نفسها في سباق مع الزمن لإعداد المخططات التوجيهية وتصاميم تنمية الكتلة القروية، إلا أن الواقع على الأرض يسير بسرعة أكبر من المساطر الإدارية، رغم وجود دوريات وزارية مشتركة تهدف أصلاً إلى تبسيط إجراءات الترخيص بالوسط القروي.

المفارقة هنا، كما يؤكد فاعلون محليون، هي أن غياب ‘خارطة طريق’ عمرانية واضحة في المناطق القروية وشبه الحضرية يدفع المواطن البسيط، المغلوب على أمره أحياناً، إلى تشييد مسكنه دون تراخيص قانونية. هذا الهروب إلى الأمام يأتي لاستغلال ‘الفراغ التنظيمي’، وهو ما يضع هؤلاء في مواجهة مباشرة مع المرسوم رقم 2.18.577 الذي يحدد ضوابط البناء في العالم القروي، ويجعل ممتلكاتهم تحت رحمة معاول الهدم.

وعلى ذكر الهدم، لم تقف السلطات المحلية مكتوفة الأيدي؛ حيث شنت في الآونة الأخيرة حملات واسعة لإزالة البنايات غير القانونية وتفعيل مقتضيات القانون 66.12 المتعلق بمراقبة وزجر المخالفات في مجال التعمير. هذا القانون يمنح السلطات صلاحيات واسعة تبدأ من توقيف الأشغال وتصل إلى الهدم الفوري وإحالة الملفات على القضاء. ورغم صرامة هذه ‘العين الحمراء’، إلا أن لغة الأرقام والواقع تؤكد أن المقاربة الزجرية وحدها لا تكفي لإطفاء حريق العشوائيات.

من جانبهم، يدق نشطاء المجتمع المدني ناقوس الخطر، معتبرين أن الحل لا يكمن فقط في ‘الجرافات’، بل في تسريع إخراج تصاميم التهيئة وتفعيل وثائق التعمير القروي بمرونة أكبر. فالمطلوب اليوم هو تبسيط المساطر الإدارية المعقدة، وتقديم بدائل سكنية لائقة تحترم كرامة المواطن وتتماشى مع قدرته الشرائية، بدلاً من تركه لقمة صائغة في فوضى البناء العشوائي. تبقى جهة سوس ماسة أمام تحدٍ حقيقي: كيف يمكن ضبط وتيرة التوسع العمراني وضمان احترام القانون، دون عرقلة الدينامية التنموية التي تحتاجها المنطقة؟ سؤال سيظل معلقاً بانتظار إفراج المصالح المختصة عن ‘الإفراج’ عن الوثائق التي طال انتظارها.