24 ساعة

زلزال المحاسبة يضرب لصوص المال العام: ملاحقة 446 مسؤولاً ومنتخباً أمام القضاء

لم يعد الحديث عن حماية المال العام في بلادنا مجرد شعارات تُرفع في الندوات، بل انتقل الأمر إلى مرحلة «الضرب بيد من حديد» على كل من سولت له نفسه العبث بمقدرات المغاربة. ففي تطور لافت يترجم تفعيل المبدأ الدستوري «ربط المسؤولية بالمحاسبة»، كشفت المعطيات الرسمية عن حصيلة ثقيلة للمتابعات القضائية، شملت 446 فرداً تورطوا في قضايا تتعلق بتبديد واختلاس الأموال العمومية.

هذه القائمة الطويلة لم تفرق بين «كبير وصغير»؛ إذ ضمت نخبة من المنتخبين الذين اؤتمنوا على تسيير الجماعات الترابية، ومسؤولين إداريين، وموظفين بمختلف الرتب، وحتى مقاولين دخلوا في صفقات مشبوهة. الملفات التي أحيلت على القضاء تفتح القوس على تجاوزات خطيرة، بدأت بنفخ الفواتير وصرف نفقات غير مبررة، وصولاً إلى خرق قوانين الصفقات العمومية والتلاعب في تنفيذ الميزانيات، وهي أفعال أدت في نهاية المطاف إلى تراجع جودة الخدمات المقدمة للمواطن البسيط.

المجلس الأعلى للحسابات، ومن خلال تقاريره التفصيلية، وضع الأصبع على الداء عبر رصد اختلالات تدبيرية فظيعة لم تعد تقبل التأويل. ولم تقتصر الملاحقات على الجانب الإداري فحسب، بل تحولت إلى ملفات قضائية جنائية وجنحية أمام المحاكم المختصة، لضمان استرجاع حقوق الدولة ومعاقبة المتورطين. ومن بين ما رصدته الأعين الرقابية، وجود صفقات فُصّلت على مقاس مقاولين بعينهم، واستعمال غير قانوني لموارد الدولة في أغراض شخصية بعيدة كل البعد عن المصلحة العامة.

ويرى مراقبون أن هذه الحملة الواسعة لا تهدف فقط إلى العقاب، بل هي رسالة سياسية ومجتمعية واضحة: «لا أحد فوق القانون». فإشراك هذا العدد الكبير من المتدخلين في المساءلة القضائية يعكس إرادة حقيقية لتطهير الإدارة المغربية من ممارسات الفساد المالي التي ظلت لسنوات تشكل حجرة عثرة أمام التنمية. إنها خطوة جادة نحو ترسيخ ثقافة الشفافية، وبناء إدارة عمومية تتسم بالعدل والنجاعة، بما يعيد للمواطن ثقته المفقودة في المؤسسات.