لم يكد غبار السجال السياسي يهدأ حتى انفجر جدل واسع داخل أروقة حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، عقب تسريب القوائم الأولية لمرشحي ‘حزب الوردة’ للاستحقاقات الانتخابية المقبلة. هذه التسريبات، التي انتشرت كالنار في الهشيم، لم تمر مرور الكرام، بل وضعت القيادة الحزبية في مواجهة مباشرة مع انتقادات لاذعة تتهمها بتكريس ‘الأمر الواقع’ والابتعاد عن شعارات التجديد التي طالما تغنت بها في مؤتمراتها الوطنية والخطابية.
المعطيات المتوفرة تشير إلى أن ‘ماكينة’ الحزب فضلت المراهنة من جديد على خيولها القديمة، من خلال منح التزكية لعدد من الوجوه البرلمانية الحالية في دوائرها الانتخابية المعتادة. هذا التوجه قرأ فيه العديد من المراقبين رغبة براغماتية في ضمان ‘الاستمرارية’ والحفاظ على المقاعد المضمونة، لكنه في المقابل أثار حفيظة الطاقات الشابة والقواعد الاتحادية، التي رأت في هذه الخطوة ‘فرملة’ واضحة لعملية تداول النخب وحرمانا للبيت الاتحادي من دماء جديدة قادرة على ضخ روح عصرية في العمل التشريعي المغربي.
لكن النقطة التي أفاضت الكأس حقا، وجعلت من هذه اللوائح مادة دسمة للنقد اللاذع، هي الغياب الصارخ والملفت للنظر للأسماء النسائية في هذه المرحلة الحساسة من الترشيحات. فبالرغم من رصيد الحزب التاريخي والحقوقي، وتوفر ‘الوردة’ على جيش من الأطر النسائية ذات الكفاءة العالية والتجربة السياسية والتشريعية المشهود لها، إلا أن ‘نون النسوة’ بدت شبه مغيبة عن المشهد التصدر، وهو ما يضع شعارات ‘المناصفة’ و’تكافؤ الفرص’ التي يرفعها الحزب على محك حقيقي أمام الرأي العام.
هذا الوضع المترنح لم يمر دون ردود فعل داخلية غاضبة؛ حيث اعتبرت فعاليات اتحادية ونشطاء أن المعايير التي اعتُمدت في توزيع التزكيات تفتقر إلى الشفافية المطلوبة، وتطغى عليها ‘منطق الولاءات التنظيمية’ الضيقة على حساب الكفاءة والمردودية الميدانية. المطالب اليوم تتعالى داخل القلعة الاتحادية لضرورة تدارك هذا ‘الارتباك’ قبل فوات الأوان، والقيام بمراجعة شاملة لمنطق منح التزكيات، بما يضمن تمثيلية منصفة للنساء ويعيد الثقة للمناضلين والمواطنين على حد سواء، حفاظا على صورة الحزب وتاريخه العريق في الساحة السياسية الوطنية كقوة ديمقراطية وحداثية.