24 ساعة

زحف الإسمنت على أراضي البيضاء: حين تتحول ‘اللعبة’ من بيع الأرض إلى إحيائها

لم تعد ضواحي الدار البيضاء تشبه ما كانت عليه قبل عقدين. تلك الحقول التي كانت تمتد كبساط أخضر لا ينتهي، بدأت اليوم تتلاشى تحت ضربات ‘الإسمنت المسلح’. طرق معبدة تشق أراضي كانت بالأمس القريب سنابل قمح، ورافعات عملاقة ترتفع في سماء كانت صافية، في مشهد يعكس تحولاً جذرياً في قيمة الأرض؛ فالمتر المربع الذي كان يُقاس بمحصوله، صار اليوم يُقاس بعوائده العقارية.

في مناطق مثل دار بوعزة والسوالم، تضاعفت أسعار الأراضي بشكل جنوني، مما وضع المزارعين أمام معادلة قاسية: الاستمرار في زراعة توفر دخلاً محدوداً ومتقلبًا، أو بيع الأرض بملايين الدراهم وتغيير المسار المهني. لكن خلف هذا الزحف العمراني، يطرح سؤال جوهري نفسه: ماذا تخسر المدينة حين تفقد ‘رئتها الخضراء’؟

رغم الضغوط، اختار جيل جديد من المزارعين السير عكس التيار. لم يعودوا ينظرون للأرض كمجرد سلعة قابلة للتصفية، بل كهوية وامتداد عائلي. عبد القادر، مزارع خمسيني من بوسكورة، يختصر هذا الشعور بقوله: ‘الأرض ليست مجرد تجارة.. الأرض روح’.

تتعدد القصص الملهمة؛ فهناك ياسين، الشاب الطموح الذي رفض بيع ميراث والده ليحوله إلى مزرعة متخصصة في المنتجات العضوية ‘البيو’، مستفيداً من منصات التواصل لبيع منتجاته مباشرة لسكان الدار البيضاء، بل وتوسع ليفتتح مطاعم راقية تقدم وجبات من إنتاجه الخاص. وعلى خطى مشابهة، حوّل الأخوان حمزة وسفيان أرضهما إلى منتجع سياحي فلاحي، حيث يختبر زوار المدينة حياة الريف، من حلب الأبقار إلى قطف الخضروات الطازجة.

أما سلمى، التي تركت عالم المكاتب لتقود ثورة رقمية في مزرعة عائلتها، فقد نجحت في بناء نموذج يعتمد على الشفافية والثقة عبر منصة إلكترونية توصل ‘خيرات الأرض’ إلى أبواب المنازل بالمدينة. هؤلاء الشباب أثبتوا أن الفلاحة بالقرب من المدن الكبرى لم تعد ‘مهنة تقليدية’، بل ميداناً للابتكار وذكاء التسويق.

إن ما يحدث اليوم في ضواحي العاصمة الاقتصادية ليس مجرد صدفة، بل هو إعادة تشكيل للعلاقة بين المدينة والمجال الفلاحي. ففي الوقت الذي يلتهم فيه الإسمنت الأراضي، تبرز مشاريع ذكية تحول التحدي إلى فرصة، مؤكدة أن الأرض يمكن أن تنتصر وتظل حية ومنتجة، إذا توفرت الرؤية والجرأة على التغيير. الخيار اليوم لا يكمن في منع التوسع العمراني، بل في كيفية تحقيق تكامل بين حياة المدينة وخصوبة الريف.