24 ساعة

رهان خاسر: هل تقود ‘شعبوية التشكيك’ أمريكا نحو الهاوية العلمية؟

ذات يوم، كان العلماء مقتنعين تماماً بأن الأمراض تنتج عن ‘الأبخرة السامة’ التي تحوم في الأجواء، وأن الشمس تدور حول الأرض، بل إن عمليات استئصال أجزاء من الدماغ كانت تُعتبر ذروة الطب النفسي. كيف تجاوزنا هذه الأفكار؟ بفضل المنهج العلمي؛ ذلك المحرك العظيم الذي يعتمد على التجربة، والخطأ، والتحليل، وإعادة النظر. لكننا اليوم نعيش مفارقة غريبة؛ فبينما كان الشك في الماضي وقوداً للاكتشاف، تحول الشك اليوم إلى أداة لتقويض الحقائق، حيث أصبحت الآراء الشخصية تقدم كحقائق مطلقة بعيداً عن أي دليل مخبري.

إن خطورة هذا التوجه لا تكمن فقط في الجدل العقيم، بل في ضرب ركيزة أساسية قامت عليها النهضة الأمريكية. لقد أثبتت الدراسات، بما في ذلك تقديرات ‘المؤسسة الوطنية للعلوم’، أن نحو 85% من نمو الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية يعود بشكل مباشر إلى التقدم في العلوم والتكنولوجيا. الهاتف الذي نحمله، الإنترنت الذي يربطنا، وحتى اللقاحات التي تحمي أطفالنا؛ كلها ثمار لعملية علمية دقيقة. وعندما ننظر إلى واقع اليوم، نجد أن التشكيك في اللقاحات، مثل لقاحات الحصبة، يعيدنا إلى مربعات داكنة من التاريخ، حيث يهدد انتشار الأمراض التي ظننا أننا تخلصنا منها منذ عقود.

المثير للقلق هو أن هذا التراجع يحدث في وقت تتسابق فيه قوى عالمية مثل الصين لضخ استثمارات هائلة في البحث العلمي، لا سيما في قطاع التكنولوجيا الحيوية والأدوية. فإذا استمر المجتمع الأمريكي في معارضة الحقائق العلمية باسم ‘حرية الرأي’، فإنه يخاطر بالتحول إلى ‘صحراء ابتكارية’، معتمداً على الخارج في تأمين دوائه وتكنولوجيته، بل وفاقداً للقدرة على مواجهة الأزمات الصحية القادمة.

إن العلم هو آلتنا المعجزة التي حولت ‘المجهول’ إلى ‘معلوم’. وبدون التمسك الصارم بالمنهج العلمي، فنحن لا نتوقف فقط عن صنع المعجزات، بل ندمر ما تم تحقيقه بالفعل. الاختيار أمامنا واضح: إما الحفاظ على هذه الآلة تعمل بدقة ومنطق، أو السماح للتشكيك العشوائي بتعطيل تروسها، مما يجرنا نحو مستقبل تسيطر عليه الأوبئة، والفقر، والتراجع الحضاري. العلم ليس مجرد وجهة نظر؛ إنه صمام الأمان الذي يحمي حياتنا ومستقبلنا.