24 ساعة

رمضان في قبضة «الشناقة».. حينما تغتال أطماع المضاربين قدسية الشهر الفضيل وتلهب جيوب المغاربة

لم يكن المغاربة ينتظرون أن يتحول شهر الرحمة والسكينة إلى ساحة مواجهة يومية مع أرقام لا ترحم في أسواق التقسيط. فبينما كان المأمول أن تشهد الأسعار استقراراً يراعي القدرة الشرائية المنهكة أصلاً، صُدم المستهلكون بقفزات صاروخية في أثمنة الفواكه، بلغت زياداتها حدوداً غير مسبوقة تناهز الـ 40 بالمئة، وفقاً لشهادات المهتمين بشؤون المستهلك.

هذا الغلاء الفاحش لم يترك صنفاً إلا وطاله؛ فثمرة «الأفوكادو» التي كان سعرها يتأرجح حول 25 درهماً قبل أسابيع قليلة، قفزت لتلامس سقف 45 درهماً مع انطلاق الأسبوع الأول من الشهر المبارك. ولم يسلم «الموز» هو الآخر من هذه الحمى، إذ تضاعف ثمنه من 8 دراهم ليصل إلى 16 درهماً في بعض الأسواق، ما يعني زيادة بنسبة 30 بالمئة في ظرف قياسي، وكأن الغلاء عدوى تنتقل بين الرفوف بسرعة البرق.

لكن السؤال الذي يطرحه المواطن في الأسواق الشعبية والمساحات الكبرى على حد سواء: هل للأمر علاقة بضعف الإنتاج أو تقلبات المناخ؟ الإجابة، حسب لغة الواقع، تكمن في «جشع المضاربين» أو من يسميهم المغاربة بـ «الشناقة». هؤلاء الذين يترصدون الفرص والمناسبات الدينية لتضييق الخناق على العرض والتحكم في مفاصل السوق، محولين حاجة الناس إلى وقود لمراكمة ثرواتهم السريعة.

إن ما نعيشه اليوم يتجاوز منطق «العرض والطلب» ليدخل في دائرة الانحدار الأخلاقي. فمن المؤلم أن نرى بعض من يسيطرون على مسارات التموين يرتدون ثوب الورع والتقوى في العلن، بينما هم في الخفاء يكدسون السلع ويحتكرونها، بل وُجد من بينهم من يغش في جودة المواد الغذائية لبيعها للمواطنين ضارباً عرض الحائط بسلامتهم الصحية وقيمهم الدينية.

المسألة اليوم لم تعد تتعلق بمجرد أرقام في بورصة الأسعار، بل هي خيانة مزدوجة؛ خيانة لقواعد السوق الشريفة، وخيانة لمنظومة القيم التي تُباع وتُشترى بالوزن في مستودعات الاحتكار. إن الشارع المغربي اليوم لا يكتفي بالشكوى، بل يطالب بضربات قانونية قوية تلجم أطماع هؤلاء المضاربين، وتعيد الاعتبار لسلطة الرقابة، لكي لا يظل رمضان موسماً لـ «عري الضمائر» بدلاً من أن يكون شهراً للتكافل والتراحم.