في أمسية رمضانية لا تشبه غيرها، تحولت قاعة مسرح «زيميهك ستيفانوس» في مدينة أوترخت الهولندية إلى فضاء إنساني دافئ، حيث التأم شمل أكثر من 350 شخصاً من مشارب وثقافات مختلفة حول مائدة إفطار واحدة، في تجسيد حي لمعاني التعايش وقبول الآخر.
هذا اللقاء، الذي نظمته مؤسسة «حوار» بالشراكة مع بلدية أوترخت ومؤسسات محلية أخرى مثل «دوك 030» و«أو ستال» مساء الجمعة، لم يكن مجرد مناسبة عابرة للإفطار، بل بدا أشبه بـ «لوحة فسيفساء» بشرية، تعكس ثراء حي «أوفرخت» الذي يحتضن نحو 170 جنسية، مما يجعل منه مختبراً حقيقياً للتعايش الإنساني.
منذ اللحظة الأولى لدخول الضيوف، كان الانضباط والتنظيم السمة البارزة، حيث خيم الهدوء والإنصات التام خلال فقرات الحفل، وهو مشهد يعكس رقي المشاركين وحرصهم على إنجاح هذه التجربة التواصلية. وفي كلمته الترحيبية، أكد محمد الطلحاوي، رئيس مؤسسة «حوار»، أن الإفطار الرمضاني يتجاوز بعده الديني ليصبح فرصة للتعارف وبناء جسور الثقة، مشدداً على أن الشهر الفضيل يفتح الأبواب مشرعة أمام الحوار المجتمعي.
وقد شهدت الأمسية حضوراً وازناً، أبرزهم أحمد أبو طالب، الذي أشاد بمثل هذه المبادرات التي تظل -حسب قوله- أقوى وسيلة لبناء مجتمع متماسك. ولم تخلُ الأمسية من لمسات روحية، حيث قدم أحد أئمة المدينة كلمة باللغة الهولندية، شرح فيها جوهر الصيام كـ«مدرسة للأخلاق» تعزز الصبر والتضامن وتنمي قيم الرحمة لدى الإنسان.
ولم يغفل المنظمون تكريم ثلة من الفاعلين الجمعويين من مغاربة وهولنديين، تقديراً لجهودهم في خدمة العمل التطوعي. وعند حلول موعد أذان المغرب، تعالت الأصوات بذكر الله، لتبدأ بعدها مراسم الإفطار، حيث تلذذ الحضور بأطباق مغربية أصيلة أعدتها «منار كاترينغ»، والتي نالت إعجاب الضيوف بفضل جودتها وتنوعها، وهو ما دفع المنظمين لتكريم طاقم الطبخ وسط تصفيقات حارة.
وفي تصريح لـ «هيبابريس»، أوضح قاسم أشحبون، نائب رئيس مؤسسة «حوار»، أن هذه الإفطارات أصبحت تقليداً مجتمعياً راسخاً في هولندا، تساهم بشكل فعال في مد جسور الثقة بين مكونات المجتمع. لقد كان واضحاً أن ما جمع الحضور في تلك الليلة لم يكن الطعام وحده، بل كانت تجربة إنسانية عميقة أثبتت أن الحوار هو المفتاح الأوحد لمجتمع أكثر انفتاحاً وتعدداً.