24 ساعة

دروس من السيرة النبوية: هكذا أرسى الرسول ﷺ قواعد السوق النزيه

تناولت خطبة الجمعة لهذا الأسبوع موضوعاً يلامس جوهر الحياة اليومية للمغاربة، وهو ‘السيرة النبوية كمصدر لإدارة الشؤون العامة’، مركزةً في جزئها الرابع على جانب حيوي ومهم: كيف أسس الرسول الكريم ﷺ للسوق، وكيف جعل منه فضاءً للقيم والأخلاق قبل أن يكون مجرد مكان للبيع والشراء.

استهل الخطباء حديثهم بالتذكير بأن السيرة النبوية ليست مجرد سرد تاريخي، بل هي مدرسة متكاملة تشمل العبادات والمعاملات. وبعدما أرسى النبي ﷺ دعائم المجتمع في المدينة المنورة بالآخاء والمؤاخاة ووضع دستور المواطنة، كان لزاماً عليه تحرير الاقتصاد من ممارسات الجاهلية التي كانت تقتات على أموال الناس بالباطل.

من هنا، اتخذ عليه الصلاة والسلام خطوة حاسمة بتأسيس سوق للمسلمين. وتذكر المصادر النبوية كيف كان ﷺ يطوف بنفسه في الأسواق، يوجه التجار، ويصلح المعاملات. وفي واقعة شهيرة، حين سُئل عن سوق، وافق عليه بقلب راضٍ، معلناً قاعدتين ذهبيتين: ‘لا يُنقص منه، ولا يُضرب عليه خراج’. هذا التوجيه النبوي لم يكن اقتصادياً فحسب، بل كان إقراراً للحرية التجارية المشروعة.

وتوقفت الخطبة عند واقعة ‘صبرة الطعام’، حين وضع النبي ﷺ يده في كومة طعام فوجدها مبللة بالأسفل، فقال لصاحبها: ‘من غش فليس مني’. هذه اللفتة ليست مجرد نصيحة، بل هي تجسيد لمبدأ ‘الحسبة’ والمراقبة الذاتية والمجتمعية التي تحمي المستهلك وتضمن جودة المعروضات. إنها رسالة واضحة بأن السوق مرآة لأخلاق المجتمع؛ فإذا سادت الأمانة حلت البركة، وإذا انتشر الغش استُبيحت الحقوق.

وأكد الخطباء أن الدولة في الإسلام، انطلاقاً من هذا النموذج النبوي، مسؤولة عن حماية هذا المرفق العام، ومحاربة الاحتكار والتدليس، وضمان تداول المال بطرق مشروعة بعيداً عن الربا أو الغرر. لقد كان السوق في العهد النبوي فضاءً للتعايش، حيث سُجلت أسماء بارزة تولت مهام ‘الحسبة’ (المراقبة) في الأسواق، مما يعكس اهتمام الإسلام المبكر بالتنظيم المؤسساتي للمعاملات.

وختاماً، وجهت الخطبة نداءً إلى المصلين بضرورة استحضار هذه المعاني في معاملاتنا اليومية، فالتجارة ليست مجرد ربح مادي، بل هي أمانة وعبادة. فالدعوة إلى الصدق في البيع، والعدل في الميزان، والرحمة بين البائع والمشتري، هي الكفيل الوحيد لضمان البركة في الرزق، وتحقيق استقرار اجتماعي واقتصادي يليق بمجتمع مؤمن واعٍ.