لم يكن غريباً أن تتوجه الأنظار مرة أخرى إلى المملكة المغربية، وهي التي باتت اليوم بمثابة ‘بوصلة’ النجاح الرياضي في القارة السمراء. هذه المرة، جاءت الشهادة من قلب القاهرة، حيث لم يجد الاتحاد المصري لكرة القدم بداً من التعبير عن إعجابه الشديد بالمستوى التنظيمي العالي الذي شهدته بطولة اتحاد شمال أفريقيا للناشئين (تحت 17 سنة). إنها ليست مجرد كلمات بروتوكولية، بل هي انعكاس لواقع ملموس يعيشه كل من يطأ قدماه الملاعب المغربية في الآونة الأخيرة.
بدأت القصة حينما وجد الوفد المصري نفسه أمام بنية تحتية تضاهي في جودتها الملاعب الأوروبية، وتنسيق لوجستي دقيق لم يترك شاردة ولا واردة إلا وأحاط بها. ومن هنا، سارع الاتحاد المصري، عبر بيان رسمي وحساباته على منصات التواصل، إلى تقديم الشكر والامتنان للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وعلى رأسها السيد فوزي لقجع. ولكن، هل الأمر يتعلق فقط بتوفير ملاعب جيدة؟ الإجابة تكمن في ‘التفاصيل’؛ تلك الروح التي تدار بها التظاهرات في المغرب، والقدرة الفائقة على جعل الضيوف يشعرون وكأنهم في بلدهم الثاني.
لقد أثبت المغرب، من خلال استضافته لهذه البطولة التي جرت أطوارها بين مدينتي الدار البيضاء والمحمدية، أن احتضان الكبار ليس وليد الصدفة. فبينما كانت المنتخبات تتنافس على المستطيل الأخضر، كانت هناك خلية نحل تعمل خلف الكواليس لضمان انسيابية التنقل، وجودة الإقامة، وتوفر مراكز التدريب التي تليق بجيل صاعد يمثل مستقبل الكرة في المنطقة. ولعل ما لفت الانتباه هو تلك الحفاوة المغربية المعهودة، والتي امتزجت بمهنية عالية في إدارة الحشود والتعامل مع البعثات الرياضية.
وفي قراءة فنية وسياقية لهذا الإطراء المصري، نجد أن الإشادة لم تقتصر على الجوانب المادية فقط. فالاتحاد المصري، الذي يمتلك تاريخاً عريقاً في اللعبة، يدرك جيداً أن النجاح في تنظيم بطولات الفئات السنية هو التحدي الأصعب، لأنها تتطلب رعاية خاصة واهتماماً أدق بالتفاصيل التربوية والرياضية. وهنا، برز الدور المغربي في تقديم نموذج يحتذى به، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً: كيف استطاع المغرب في سنوات قليلة أن يتحول إلى ‘القبلة المفضلة’ للاتحادات القارية والدولية؟
الواقع يقول إن الرؤية الاستراتيجية التي تنهجها المملكة في المجال الرياضي بدأت تؤتي ثمارها بشكل مبهر. فالمسألة لا تتعلق ببناء جدران ومدرجات، بل ببناء منظومة متكاملة تشمل التكوين، والتسيير، والتسويق الرياضي. وما نراه اليوم في بطولة شمال أفريقيا هو مجرد ‘بروفة’ مصغرة لما ينتظر العالم في المواعيد الكبرى القادمة، وعلى رأسها كأس أمم أفريقيا وكأس العالم. إنها رسالة طمأنينة لكل الفاعلين الرياضيين بأن المغرب جاهز، ليس فقط للاستضافة، بل للإبهار.
وعلى مستوى المنافسة، كانت البطولة فرصة ذهبية للمنتخب المصري للناشئين للاحتكاك بمدارس كروية قوية، وهو ما أشار إليه الجانب المصري بامتنان، مؤكداً أن الأجواء المثالية التي وفرها المغرب ساعدت اللاعبين الصغار على تقديم أفضل ما لديهم. فالمناخ الرياضي الصحي هو الذي يصنع النجوم، والمغرب وفر هذا المناخ بكل سخاء.
ختاماً، يمكن القول إن إشادة الاتحاد المصري هي شهادة استحقاق جديدة تضاف إلى سجل الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم. إنها تعزز أواصر الأخوة الرياضية بين الرباط والقاهرة، وتؤكد أن التعاون العربي في المجال الرياضي يمكن أن يصل إلى آفاق غير مسبوقة عندما تتوفر الإرادة والاحترافية. فالمغرب اليوم لا ينظم بطولات فحسب، بل يصدر للعالم دروساً في كيفية تحويل التظاهرات الرياضية إلى جسور للتواصل ومنصات للتميز.