24 ساعة

دروس التاريخ: كيف تعيد الأزمات العالمية تشكيل الجيوسياسة؟

يظل التاريخ الأرشيف الأكثر صدقاً لفهم التحولات الجيوسياسية الراهنة. مهما حاول العالم استشراف المستقبل بعيداً عن دروس الماضي، تظل الحقائق التاريخية حاضرة كبوصلة للفاعلين السياسيين. وتبرز هنا إشارات القادة الكبار إلى مفكرين استراتيجيين كنموذج لإدارة الأزمات، كما حدث حين استحضر الرئيس الصيني شي جين بينغ مفهوم ‘فخ ثوسيديدس’ خلال لقائه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، محذراً من الصراعات الصفرية بين القوى الصاعدة والمهيمنة.

تعتمد العلاقات الدولية على نظريات قدمها أكاديميون بارزون، مثل صامويل هنتنغتون، فرانسيس فوكوياما، وجوزيف ناي، لكن هناك مفكرين آخرين يقدمون رؤى أكثر عمقاً، مثل ستانلي هوفمان الذي وظف شخصية ‘غاليفير’ لتوصيف تداخلات القوة الأمريكية، أو كينيث والتز وروبرت جيرفيس. إن هذه النماذج ليست مجرد نظريات أكاديمية، بل هي أدوات لتحليل واقع دولي يمر بمرحلة انتقالية حافلة بعدم اليقين.

إن التداخل بين الفكر السياسي والقرار الاستراتيجي يتجلى بوضوح في مدرسة الواقعية السياسية التي تستلهم من ‘كوتيلية’ الهندي، و’صن تزو’ الصيني، وصولاً إلى هنري كيسنجر الذي ربط بين صعود وسقوط الإمبراطوريات ودورة التاريخ. هؤلاء المفكرون يذكروننا بـ ‘يانوس’، الإله الروماني ذو الوجهين، أحدهما ينظر للماضي والآخر يستشرف المستقبل، في محاولة لإدارة التحولات الكبرى.

إن القراءة المتأنية للأحداث تتطلب الابتعاد عن التحليلات السطحية التي تسارع إلى إعلان هزيمة أو انتصار القوى العظمى. فالعالم اليوم ليس أمام صدام حتمي أو انهيار مفاجئ، بل أمام نظام دولي معقد يتطلب من صناع القرار استحضار الحكمة التاريخية والتمهل في اتخاذ القرارات، لتجنيب البشرية فوضى عارمة. إن دروس الماضي، من ثوسيديدس إلى اليوم، تؤكد أن التوازنات لا تُبنى على الانفعالات، بل على فهم دقيق لحركة التاريخ والسياسة.