24 ساعة

خطبة الجمعة بالمغرب: الحج محطة كبرى لتحرير النفس من ‘سلطان الهوى’ وترسيخ التوحيد

في خطوة تهدف إلى تعميق الفهم الروحي والمقاصدي لفريضة الحج، دعت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية خطباء المساجد في مختلف أرجاء المملكة المغربية إلى تخصيص خطبة الجمعة لتناول موضوع ‘مقاصد الحج’. هذه الخطبة لم تكن مجرد سرد للمناسك الجسدية، بل غصت في جوهر العبادة، معتبرة أن الحج يمثل مدرسة كبرى لتحرير الإنسان من أغلال أهوائه الشخصية وإعادته إلى صفاء الفطرة والتوحيد الخالص.

واستهلت المساجد خطبتها بالتأكيد على أن الله عز وجل كرم الإنسان وفضله، ولم يشرع له القوانين والحدود إلا ليسمو به فوق شهواته. الحج، كما جاء في الخطبة، هو التطبيق العملي للتوحيد؛ فمنذ لحظة التلبية التي أعلنها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ‘لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك’، يضع المسلم حداً لكل أشكال الشرك والتعلق بغير الله. الخطبة أوضحت أن المشركين قديماً كانوا يخلطون عباداتهم بالأهواء والأصنام، فجاء الإسلام ليصحح هذه العقيدة ويجعل الشعائر كلها، من طواف وسعي ورجم للجمارات، وسيلة لإقامة ذكر الله وحده.

وفي تحليل عميق للأبعاد النفسية لهذه الفريضة، توقفت الخطبة عند مفهوم ‘التحرر من الهوى’. واعتبرت أن كل ما يتحمله الحاج من إنفاق للمال، وفراق للأهل والوطن، وتخلٍ عن الملابس المعتادة، يصب في مصلحة واحدة: ‘تطويع النفس’. فالحج يجرد المسلم من امتيازاته الاجتماعية ونسبه ولونه، ليقف في صعيد واحد مع الجميع، حيث لا تفاضل إلا بالتقوى. هذا المشهد المهيب هو رسالة واضحة بأن التحرر الحقيقي يبدأ حين يسيطر الإنسان على رغباته بدلاً من أن تقوده هي.

ولم يفت الخطباء الاستشهاد بآراء العلماء الكبار، مثل الإمام الشاطبي، الذي لخص غاية الشريعة في ‘إخراج المكلف من داعية هواه’، حتى يكون عبداً لله اختياراً كما هو عبد له اضطراراً. فالمسلم، رغم أنه لا يملك خياراً في ولادته أو لونه أو رزقه، إلا أنه يملك خيار الخضوع للخالق في عباداته ومعاملاته، وهو ما يجسد قمة الحرية الإنسانية.

وفي الختام، رفعت الأكف بالدعاء الصالح لأمير المؤمنين الملك محمد السادس، سائلين الله أن يحفظه ويمتعه بالصحة والعافية، وأن يقر عينه بولي عهده الأمير مولاي الحسن، ويشد أزره بشقيقه الأمير مولاي رشيد، وبكافة الأسرة الملكية الشريفة. كما ترحم المصلون على الملكين الراحلين محمد الخامس والحسن الثاني، سائلين المولى أن يجعل المغرب بلداً آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.