لطالما قيل إن السياسة هي فن الممكن، لكن ما نتابعه اليوم في كواليس التحالف الحكومي المغربي يوحي بأنها تحولت إلى «فن التناحر» على تفاصيل صغيرة وكبيرة. فبينما كان يُفترض أن يظهر الثلاثي المشكل للحكومة ككتلة صماء لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية، يبدو أن رياح الانتخابات المقبلة بدأت تهب مبكراً، محملة بغبار الخلافات التي لم تعد الغرف المغلقة قادرة على استيعابها.
من يراقب المشهد عن كثب، يدرك أن «ميثاق الأغلبية» الذي وُقع بابتسامات عريضة، بات اليوم مجرد حبر على ورق في مواجهة طموحات حزبية ضيقة. ففي الوقت الذي ينتظر فيه المواطن حلولاً لغلاء المعيشة وتحديات التشغيل، تنشغل المكونات الحكومية بحروب استنزاف باردة، تارة حول التعيينات، وتارة أخرى حول من ينسب لنفسه الفضل في «الإنجازات» الميدانية. هل هي مجرد سحابة صيف عابرة؟ أم أننا أمام تحالف فقد روحه ولم يعد يجمعه سوى الاضطرار السياسي؟
المثير للاستغراب ليس وجود الخلاف في حد ذاته، فالتباين في الرؤى ظاهرة صحية، لكن الخطير هو تحول هذا التباين إلى «شخصنة» للصراعات، حيث يخرج قادة من هذا الطرف أو ذاك لتوجيه سهام النقد لشركائهم في العلن، وهو ما يعطي انطباعاً بأن الحكومة تعيش حالة من التيه السياسي. هذا المشهد يطرح تساؤلاً جوهرياً: كيف يمكن لفريق لا يثق أعضاؤه ببعضهم البعض أن يقود سفينة دولة في بحر من الأزمات العالمية المتلاحقة؟
إن ما يحدث اليوم في المجالس الجماعية والجهات، حيث يتبادل حلفاء «المركز» الطعون والاتهامات، يعكس هشاشة هذا التحالف. يبدو أن كل طرف بدأ فعلياً في ترتيب أوراقه لخوض غمار الاستحقاقات القادمة بشكل منفرد، محاولاً التبرؤ من إخفاقات المرحلة الحالية وإلقاء اللائمة على الشريك. هي استراتيجية «الهروب إلى الأمام» التي قد تمنح مكاسب حزبية مؤقتة، لكنها بلا شك تضعف الثقة الشعبية في العمل السياسي برمته.
ختاماً، يبقى الأمل أن تستعيد الأغلبية بوصلتها، وتدرك أن زمن المناورات الانتخابية لم يحن أوانه بعد، فالشأن العام يتطلب قدراً من نكران الذات، والوفاء بالعهود التي قُطعت أمام الناخبين، بعيداً عن صراعات «الديوك» التي لا تخدم سوى الخصوم.