لم تكن موجة التسريحات الأخيرة التي شهدتها صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية مجرد إجراء إداري عابر، بل تحولت إلى ساحة مواجهة مفتوحة بطلتها الصحافية المغربية-الألمانية المرموقة سعاد مخنيت. فبينما يمر العملاق الصحفي الأمريكي بمرحلة إعادة هيكلة قاسية شملت الاستغناء عن نحو ثلث طاقمه، استغلت حسابات قومية جزائرية على منصة “إكس” هذا الظرف للتحريض ضد مخنيت والمطالبة برحيلها، والسبب؟ تقاريرها الجريئة التي كشفت خبايا العلاقات المشبوهة بين إيران وجبهة البوليساريو.
سعاد مخنيت، التي تعد واحدة من أبرز الأسماء في قسم الأمن القومي بالصحيفة، وجدت نفسها وسط عاصفة من التضامن المغربي والدولي في مواجهة حملة ممنهجة. وتعود جذور هذا الاستهداف إلى تقرير نشرته في أبريل 2025، استندت فيه إلى مصادر استخباراتية وأمنية أوروبية وإقليمية، كشفت من خلاله عن تورط طهران في تدريب عناصر البوليساريو فوق الأراضي السورية، وهو التقرير الذي أحدث ضجة كبرى ووصلت صداه إلى أروقة الكونغرس الأمريكي.
وفي الوقت الذي يحاول فيه “الذباب الإلكتروني” استغلال قرار مالك الصحيفة، جيف بيزوس، بتقليص عدد الموظفين لتصفية حسابات سياسية، هبّ زملاء مخنيت وناشطون مغاربة للدفاع عن “صوت الحقيقة”. ووصف مدونون ومهتمون بالشأن السياسي مخنيت بأنها ليست مجرد صحافية، بل هي مرجع دولي في التحقيقات المتعلقة بالجماعات المتطرفة والشبكات الإرهابية، مؤكدين أن محاولات إسكاتها تعكس ضيق صدر الجهات التي كشفت تقاريرها تورطها.
من جانبها، لم تقف مخنيت مكتوفة الأيدي، بل وجهت رسالة واضحة عبر حساباتها، مذكرةً بمسارها المهني الحافل بالمخاطر، من تغطية تنظيم “داعش” إلى مقتل جمال خاشقجي، وصولاً إلى تعرضها للاعتقال والتهديد بالخطف في سبيل نقل الخبر اليقين. هذا الصمود المهني جعل وسم #SaveThePost يتحول إلى منصة لدعمها، حيث أكد المتضامنون أن التضحية بكفاءات من عيار سعاد مخنيت يمثل ضربة لمصداقية الصحافة الاستقصائية العالمية.
الجدير بالذكر أن “واشنطن بوست” تعيش أزمة خانقة بعد فقدانها لنحو 250 ألف مشترك رقمي وتراجع حركة البحث بنسبة 50%، مما دفع الإدارة إلى اتخاذ قرارات مؤلمة. لكن بالنسبة للمغاربة، تظل القضية أعمق من مجرد “أزمة تدبير”؛ إنها معركة للدفاع عن صحافية فضحت بالدليل القاطع تحالفات إقليمية تسعى لزعزعة استقرار المنطقة.