في مطلع عام 1994، كان الجنرال المتقاعد اليمين زروال يعيش حياة هادئة بعيداً عن أضواء السياسة وصخبها، حيث كان يقضي وقته في ممارسة هوايته المفضلة في صيد الحجل بجبال الأوراس الشامخة. لم يكن يعلم حينها أن الهدوء الذي يحيط ببيته في باتنة على وشك أن يتحول إلى عاصفة سياسية، حين طرق رفاق السلاح بابه حاملين رسالة واحدة لا تقبل التأويل: ‘لقد اخترناك رئيساً، وليس أمامك خيار للرفض’.
هكذا بدأت قصة ‘اختطاف’ الجنرال البالغ من العمر حينها 53 عاماً، لانتزاعه من عزلته الاختيارية ووضعه في قلب السلطة. كان مشهداً غريباً في تاريخ الجزائر، لرجل لم يسعَ يوماً للكرسي، بل جاءت السلطة إليه كما تسعى الطريدة للصياد.
داخل أروقة الحكم، حاول زروال أن يفتح مساراً للحوار مع قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ، مؤمناً بأن الجزائر تحتاج إلى تهدئة وطنية ومصالحة شاملة. لكن كما يشير العقيد محمد سمراوي في كتابه ‘سنوات الدم’، كانت تلك الاجتماعات التي انطلقت في ربيع 1994 محفوفة بالمفارقات؛ فبينما كان الرئيس يخطب في الناس داعياً إلى السلم، كانت مؤسسات الدولة تشهد معارضة عنيفة من تيار ‘الاستئصاليين’ بقيادة أسماء نافذة مثل العربي بلخير وإسماعيل العماري (المدعو ‘ساماين’)، والذين كانوا يعملون -حسب سمراوي- على تأجيج نار العنف بينما يفتعلون مفاوضات لا تملك مقومات النجاح.
وتعقدت الأمور أكثر بعد اتفاق عام 1994 مع صندوق النقد الدولي، حيث تدفقت الأموال والسيولة الدولية، مما منح المؤسسة العسكرية قبضة أقوى على المشهد السياسي، وأصبحت كل محاولة لفتح باب الحوار مع علي بلحاج وعباسي مدني تواجه بتعطيل ممنهج من الداخل، وكأن هناك صراع إرادات خفياً بين الرئيس وبين أجهزة كانت تحرك خيوط الجماعات المسلحة من وراء الستار.
في عام 1995، خاض زروال انتخابات رئاسية وُصفت بأنها ذات طابع شكلي تحت الرقابة العسكرية، وحصل على 60 بالمئة من الأصوات. ورغم ذلك، استمر في محاولاته لإنهاء حمامات الدم، لكن ‘التخريب الممنهج’ من أطراف نافذة جعل طريق المصالحة مسدوداً.
في سبتمبر 1998، فاجأ زروال الجميع بظهوره التلفزيوني ليعلن اختصار عهدته والمغادرة. كان قراراً غير مسبوق؛ الجنرال الذي أُخرج من مزرعته ليحكم، قرر الرحيل بمحض إرادته ليعود إلى ‘صيد الحجل’. صُدم الشارع الجزائري، وارتبكت المؤسسة العسكرية، فيما ذهبت تحليلات غربية حينها إلى وصف الخطوة بـ ‘الانقلاب المقنع’.
رحل زروال بذات الطريقة التي جاء بها، تاركاً الساحة لعبد العزيز بوتفليقة، الذي كان ينتظر لحظته المناسبة منذ عام 1994، ليبدأ فصل جديد من فصول السياسة الجزائرية التي لا تنتهي مفاجآتها.