24 ساعة

جمهورية المسرح.. حينما تصبح الديمقراطية في الجزائر «لعبة» يرفضها الخاسرون

لم يكن الجزائريون يعرفون معنى «التعددية الحزبية» حتى أواخر ثمانينيات القرن الماضي؛ فقد ظلت البلاد لسنوات طويلة ترزح تحت وطأة نظام الحزب الواحد، حيث كانت النخبة الحاكمة ترى في الأحزاب السياسية مجرد «سلعة فاخرة» لا تصلح لشعب وصفوه بـ «الأمي والمعدم»، واعتبروا التعددية مجرد «ألاعيب أوروبية» لا مكان لها في دهاليز الحكم.

لكن رياح التغيير التي هبت في خريف 1988، مدفوعة باحتجاجات شعبية عارمة، أجبرت أركان النظام والمؤسسة العسكرية على الرضوخ لضرورة الإصلاح. حينها، فُتح الباب أخيراً لتأسيس الأحزاب، وعاد المعارضون من المنافي، وتنفست البلاد -ولو مؤقتاً- رائحة التعددية. ومع حلول يونيو 1990، شهدت الجزائر أول انتخابات بلدية في تاريخها، وكانت المفاجأة مدوية؛ إذ كشفت النتائج عن هوة سحيقة بين ما كان يروج له «جبهة التحرير الوطني» عن شعبيتها الجارفة، وبين الواقع الذي منح الصدارة لـ «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» بفارق كبير.

وعلى وقع تلك النتيجة، بدأ فصل جديد من الدراما السياسية. فقبل التشريعات في 1991، طمأن الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد العالم بأن الجزائر ماضية في مشروعها الديمقراطي، متعهداً باحترام إرادة الشعب مهما كانت توجهات الفائز. وحتى القوى السياسية، التي تذكرها مؤلفات الباحث يحيى أبو زكريا، أبدت آنذاك التزاماً ظاهرياً بقواعد اللعبة الديمقراطية، مؤكدة أنها ستقبل بصندوق الاقتراع كحكم وحيد.

ولكن، ما إن أُعلنت نتائج الانتخابات التشريعية وتصدر الإسلاميون المشهد، حتى انقلب السحر على الساحر. تلاشت الوعود، وخرجت أحزاب، كـ «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» و«الطليعة الاشتراكية»، لتعلن الحرب على ما سمته «التطرف»، مطالبة الجيش بالتدخل الفوري لإنقاذ البلاد من سيناريوهات «السودان أو إيران». وكأن الديمقراطية في الجزائر لم تكن يوماً سوى «مشروطية»؛ فهي مقبولة فقط إذا أفرزت من يرضى عنه جنرالات الثكنات.

وفي واقعة تعكس سرعة «التنظيم» لدى هذه القوى، تأسست «جمعية إنقاذ الجزائر» في وقت قياسي -قيل إنه ربع ساعة فقط- بمباركة من وزير الداخلية حينها العربي بلخير، لتكون واجهة للضغط ووأد التجربة في مهدها. وفي تلك الأثناء، كان رئيس الحكومة أحمد غزالي يعبر عن خيبة أمله في «خيارات الشعب»، وكأن الديمقراطية هي خيارات النخب لا إرادة الجماهير.

انتهى المشهد برفض المؤسسة العسكرية، بقيادة خالد نزار، لنتائج الصناديق، مما أدى إلى استقالة بن جديد وإلغاء المسار الانتخابي. لقد كان الدرس الأقسى في تاريخ الجزائر الحديث، حيث اكتشف الجميع أن «التعددية» في قاموس السلطة لم تكن إلا مسرحية، فصلها الأخير لم يكن سوى الدخول في «العشرية السوداء» التي لا تزال جراحها شاهدة على ضريبة رفض الديمقراطية الحقيقية.