في الثالث من يوليو عام 1992، كانت الجزائر تعيش على وقع صدمة لا تزال آثارها محفورة في ذاكرة التاريخ؛ فقد اغتيل الرئيس محمد بوضياف على الهواء مباشرة، مما ترك فراغاً في قمة هرم السلطة وسط «عشرية سوداء» بدأت تتشكل ملامحها القاتمة. في تلك اللحظة الحرجة، أعلن النظام العسكري عن تعيين علي كافي، الدبلوماسي المخضرم ذو الـ64 عاماً، رئيساً للمجلس الأعلى للدولة. لكن، هل كان كافي رجل المرحلة حقاً؟
صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» وصفت الرجل حينها بأنه شخصية ذات ثقل سياسي محدود، مرجحةً أن دوره لن يتعدى «المرحلة الانتقالية» لملء الفراغ، بينما كان النظام يواجه ضغوطاً خانقة نتيجة الصراع المتصاعد مع التيارات المتشددة. لم يكن اختيار كافي محض صدفة؛ فقد كشف وزير الدفاع آنذاك، خالد نزار، أن الأسباب تراوحت بين إتقانه للغة العربية، وماضيه كمجاهد في الولاية التاريخية الثانية، كونه الأكبر سناً بين قادة المجلس.
من الداخل، كان الواقع أكثر تعقيداً. يروي الصحفي مصطفى بن فضيل في تحليل له، أن كافي لم يكن يوماً رجل سلطة بالمعنى التقليدي، بل وجد نفسه يقود «سفينة جزائرية» وسط إعصار. بل إن رئيس الوزراء الأسبق، بلعيد عبد السلام، نقل اعترافاً لافتاً على لسان كافي نفسه، حيث قال: «نحن مجرد تحف وُضعت فوق رف المدفأة»، في إشارة صريحة إلى أن القرار الحقيقي كان يُتخذ في أروقة أخرى بعيداً عن القصر الرئاسي.
لم تكن الأزمة أمنية فقط؛ فقد كانت خزينة الدولة خاوية، مما مهد الطريق لاحقاً لبرامج التقشف القاسية مع صندوق النقد الدولي. وحين حاول النظام إطلاق مسار «حوار دون إقصاء»، باءت المبادرات بالفشل مع مقاطعة المعارضة، حتى أن محاولات الاستعانة بعبد العزيز بوتفليقة لرئاسة الدولة باءت بالفشل في اللحظات الأخيرة.
انتهت حقبة علي كافي بتوقيعه على آخر مرسوم يتعلق بـ«منصة الإجماع الوطني» في يناير 1994، ليغادر السلطة تاركاً المكان لليامين زروال، وتبقى سيرته شاهدة على مرحلة اتسمت بالارتباك، حيث كان الرئيس أحياناً مجرد واجهة في مشهد سياسي مُعقد، لا تملك فيه «الجمهورية» سوى المسمى، بينما كانت خيوط اللعبة في يد صُنّاع القرار الحقيقيين في الخفاء.