لم يكن القرار الأخير الصادر عن وزارتي الداخلية والصحة والحماية الاجتماعية بخصوص تنظيم سيارات نقل الأموات مجرد إجراء إداري عابر، بل تحول بسرعة إلى مادة دسمة للنقاش العمومي في المقاهي وعلى منصات التواصل الاجتماعي بالمغرب. القرار الذي يروم توحيد المظهر الخارجي لهذه الحافلات، جاء بتفاصيل دقيقة تتضمن إزالة العبارات الدينية، واعتماد علامات بصرية موحدة تشمل عبارة “نقل الأموات” مع تحديد هوية صاحب المركبة، وهو ما اعتبره البعض خطوة نحو عصرنة المرفق، بينما رآه آخرون مساساً برمزية جنائزية راسخة.
من وجهة نظر الهيئات المسؤولة، يهدف هذا التوجه إلى وضع حد لحالة الفوضى والتباين الكبير الذي يطبع اشتغال هذه المركبات في مختلف المدن المغربية. فالمؤيدون يرون أن فرض معايير تقنية وبصرية موحدة يعزز مبدأ المساواة في تقديم الخدمة لكافة المواطنين، ويضمن سلامة المركبات، وينأى بهذا المرفق الحساس عن التوظيفات العشوائية، في انسجام تام مع مسلسل تحديث الخدمات المرتبطة بالقطاع الصحي والاجتماعي.
في المقابل، لم يمر هذا “الحياد البصري” دون إثارة حفيظة منتقدين يرون أن سيارة نقل الأموات ليست مجرد وسيلة لوجستيكية، بل هي جزء من طقوس الوداع الأخيرة التي تحمل شحنات عاطفية وثقافية عميقة للمغاربة. فالمظهر الخارجي، بما يحمله من عبارات تقليدية، يمثل في الوجدان الشعبي نوعاً من الاحترام لقدسية الموت وتسلية لأهالي الفقيد في تلك اللحظات الصعبة، مما يطرح سؤالاً جوهرياً: أين تنتهي حدود التنظيم الإداري لتبدأ حساسية الرموز الثقافية؟
إن هذا الجدل يعكس، في عمقه، حاجة ماسة إلى تواصل مؤسساتي أكثر وضوحاً. فالتحديث لا يعني بالضرورة القطيعة مع الموروث، بل يمكن الوصول إلى تنظيم محكم للمرافق العامة دون خدش المشاعر الاجتماعية. ويرى مراقبون أن إشراك الفاعلين المهنيين والاجتماعيين في صياغة هذه القرارات كان كفيلاً بإيجاد صيغة توازني بين “حياد الإدارة” و”كرامة الميت”، بما يضمن عصرنة الخدمة وحفظ التقاليد التي تشكل هوية المجتمع المغربي.