لم يكن قرار سحب وزارة الداخلية ووزارة الصحة والحماية الاجتماعية لمشروع القرار المشترك المتعلق بخصائص سيارات الإسعاف، كافياً لإخماد جذوة النقاش التي اشتعلت في الأوساط المغربية. فخلف الستار التقني لتوحيد «الهوية البصرية» للمرافق العمومية، تفجرت أسئلة عميقة تمس جوهر الهوية والرمزيّة الدينية في الفضاء العام.
القرار الذي تضمن بنوداً تمنع وضع عبارات دينية أو شعارات لا ترتبط مباشرة بالوظيفة الصحية على هيكل سيارات الإسعاف، تعرض لموجة انتقادات لاذعة وصفها البعض بأنها «معركة هوية» غير معلنة. ورغم مسارعة الجهات الوصية إلى سحب المشروع لتصحيح ما وصفته بـ «الغموض في الصيغة المتداولة»، إلا أن هذه الخطوة تركت الباب موارباً أمام تأويلات تجاوزت حدود الإدارة لتصل إلى عمق البناء الدستوري للمملكة.
وفي هذا الصدد، دخل الأكاديمي والخبير اللغوي، الدكتور عبد العلي الودغيري، على خط الجدل بتدوينة مطولة حملت نبرة من الذهول والاستغراب. الودغيري لم يرَ في الأمر مجرد خطأ إداري عابر، بل تساؤل بمرارة عما إذا كان ما حدث «تهوراً في التقدير» من مسؤولين تنقصهم الحنكة، أم أنه «مؤشر لتيارات أعمق» تحاول جس نبض المجتمع المغربي وتجريد الفضاء العام من صبغته الإسلامية.
وتساءل الودغيري في قراءته التحليلية للموقف: كيف يمكن لدولة عريقة، قامت لقرون على شعار «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، أن يصدر فيها نص قانوني يمنع هذه العبارة أو غيرها من المأثور الديني كجملة «موتى المسلمين»؟ واعتبر أن التراجع تحت الضغط المجتمعي لا ينفي وجود علامات استفهام كبرى حول الخلفيات؛ هل نحن أمام رغبة خفية للتحول نحو نظام علماني يقصي الثوابت الدستورية؟ أم هو محاولة لـ «سحب البساط» من تحت شرعية المؤسسات التي تستمد قوتها من المرجعية الدينية وإمارة المؤمنين؟
ولم يتوقف الأكاديمي المغربي عند هذا الحد، بل ربط بجرأة بين هذه التحركات وبين ما سماه «اختراق التيارات التغريبية أو الصهيونية» التي قد تجد في مثل هذه القرارات مناخاً ملائماً لنهش ثوابت الشعوب الإسلامية من الداخل. ورأى الودغيري أن وصول مثل هذه الأفكار إلى نصوص قانونية رسمية يشير إلى أن «الاختراق» قد يكون وصل لمراكز صنع القرار، ولم يعد محصوراً في أفراد أو جمعيات معزولة.
إن سحب القرار قد يكون أنهى الأزمة إدارياً، لكنه فتح نقاشاً فكرياً ومجتمعياً لن يغلق قريباً، حول حدود الصلاحيات الإدارية في التعامل مع الرموز التي تشكل الوجدان المغربي، وحول الحساسية المفرطة التي تتطلبها إدارة الشأن الديني في بلد يفتخر بخصوصيته وتاريخه.