شهد رحاب كلية العلوم القانونية والسياسية بسطات، يوم الثلاثاء، تظاهرة فكرية متميزة جمعت ثلة من الأساتذة والباحثين في القانون العام، لمناقشة مؤلف جديد للأستاذ سعيد سطر، يحمل عنوان ‘الحقل الديني والديناميات المؤسساتية في المغرب’. هذا اللقاء لم يكن مجرد عرض أكاديمي عادي، بل كان منصة حقيقية لتفكيك واحدة من أعقد المعادلات في النظام السياسي المغربي: كيف يتعايش الدين والسياسة تحت سقف واحد؟
أدار اللقاء الدكتور عبد العالي شداد بحكمة واقتدار، بمشاركة وازنة لعميد الكلية السابق الدكتور نجيب الحجوي، والدكتور عبد الحفيظ اليونسي، والدكتور عبد الله كواروس، بالإضافة إلى مؤلف الكتاب الأستاذ سعيد سطر. وقد انكب هؤلاء الخبراء على فحص فرضيات الكتاب التي تحاول فهم ‘الخلطة المغربية’ التي استطاعت المزاوجة بين مرجعية إمارة المؤمنين العريقة وبين متطلبات الدولة الحديثة، الديمقراطية، وحقوق الإنسان.
يطرح الأستاذ سطر في مؤلفه إشكالية جوهرية حول ‘تمثلات السلطة’، متسائلاً عما إذا كان الدين في المغرب يخدم السياسة، أم أن الحداثة السياسية جاءت لتقطع الطريق أمام أي هيمنة دينية مطلقة. كما فتح الكتاب باب النقاش واسعاً حول دستور 2011، وما إذا كان يكرس فعلياً مفهوم الملكية البرلمانية والدولة المدنية، أم أنه لا يزال محكوماً بسقف تراثي تقليدي.
وفي مداخلة غنية، أكد الأستاذ سطر أن دراسة هذه العلاقة لا ينبغي أن تظل سجينة الثنائيات المتقابلة والمغلوطة. فالدولة والدين في المغرب، وفقاً لمؤلفه، ليسا خطين متوازيين لا يلتقيان، بل هما نسيج متداخل يصعب فصله إلا إيديولوجياً، لأن الدين متجذر في المجتمع والسياسة أداة لتدبيره. وبدلاً من الاكتفاء بالتحليل التاريخي التقليدي، يدعو الكتاب إلى إعادة التفكير في إشكالات ‘الصدام’ المفترض بين الدين والسياسة، والبحث عن كيفية تطور هذا التفاعل داخل ديناميات السلطة والمجتمع.
هذا اللقاء العلمي بمدينة سطات، الذي يأتي في إطار الحركية العلمية التي تشهدها الكلية، لم يضع نقاطاً نهائية، بل فتح أوراشاً جديدة للبحث، مؤكداً أن المغرب ما زال يقدم للعالم نموذجاً سياسياً فريداً، يقتضي منا جميعاً -كباحثين ومواطنين- قراءته بعيداً عن القوالب الجاهزة أو النظارات الغربية المستوردة.