في تطور لافت يعكس تعقيدات المشهد الإقليمي المشتعل، بدأت تتكشف ملامح تراجع ملموس في الدور الفرنسي المتعلق بمسار مفاوضات بيروت. لم يعد خافياً على المراقبين أن باريس، التي لطالما اعتبرت نفسها ‘اللاعب المحوري’ في الشأن اللبناني، باتت تجد نفسها خارج دائرة الضوء في ملفات أمنية وسياسية بالغة الحساسية.
هذه الخطوة الإسرائيلية لم تأتِ من فراغ، بل هي جزء من محاولة تل أبيب لإعادة ترتيب أوراقها وأولوياتها وفق رؤية أمنية واستراتيجية جديدة، خاصة فيما يتعلق بالتوترات عند الحدود الجنوبية للبنان. وبالرغم من التاريخ الدبلوماسي الطويل لفرنسا في بيروت، وحضورها الدائم في مختلف المحطات السياسية والاقتصادية، يبدو اليوم أن هذا الدور يخضع للمراجعة، وربما ‘للتقليص’، بقرار أحادي من الجانب الإسرائيلي.
وتشير تحليلات سياسية إلى أن إسرائيل تسعى لتقليل عدد الوسطاء، وتفضيل قنوات تفاوضية تعتبرها أكثر ‘تفهماً’ لمصالحها، بعيداً عن الطروحات الفرنسية التي غالباً ما تنادي بالتهدئة وبناء المؤسسات. وربما تختصر تصريحات بنيامين نتنياهو، الذي لم يتردد في التشكيك في ‘ثقة’ باريس، جوهر هذه الأزمة الصامتة.
هذا التهميش يطرح علامات استفهام كبرى حول مستقبل الدور الأوروبي في أزمات الشرق الأوسط، في وقت يتصاعد فيه التنافس الدولي على النفوذ. هل يعني هذا انتقال ملف المفاوضات إلى أطراف دولية أخرى؟ وما هو الأثر الذي سيتركه غياب ‘الوسيط الفرنسي’ على طبيعة الحلول المقترحة؟
تظل المفاوضات بشأن بيروت مفتوحة على سيناريوهات شتى، تتراوح بين إعادة تشكيل تحالفات الوساطة أو الانزلاق نحو مزيد من التصعيد. فالمنطقة التي تعيش على وقع أزمات متشابكة، لا تحتمل أي تغيير في موازين الوسطاء دون أن يترك ذلك ندوباً واضحة على مستقبل الاستقرار الإقليمي الهش.