لم يعد طموح المغرب في قطاع الطيران مجرد خطط على الورق، بل أضحى واقعاً ملموساً يفرض نفسه على الخارطة العالمية. وفي هذا السياق، يجمع محللون اقتصاديون على أن قرار مجموعة “سافران” (Safran) الفرنسية بإنشاء مصنع جديد لأنظمة هبوط الطائرات في المملكة، يشكل نقطة تحول كبرى تمنح دفعة قوية لهذه الصناعة الاستراتيجية.
هذا المشروع الضخم، الذي ترأس الملك محمد السادس مراسم إطلاقه بالمنصة الصناعية المتكاملة “ميدبارك” بالنواصر، يعكس ثقة متزايدة في قدرة المغرب على احتضان استثمارات عالية التكنولوجيا. ويرى الخبير الاقتصادي مهدي الفقير أن المملكة تعيش اليوم طفرة نوعية في استراتيجيتها الصناعية، مشيراً إلى أن الشراكة التاريخية مع “سافران” تتجه نحو عمق أكبر يعزز السيادة الصناعية الوطنية.
الهدف لم يعد يقتصر على تجميع القطع، بل هناك توجه واضح نحو توطين عمليات تصنيع متكاملة. ويضيف الفقير أن الغاية النهائية التي ترسمها الدولة هي الوصول إلى تصنيع طائرة مغربية بالكامل بحلول عام 2030، وهو حلم مدعوم برؤية ملكية تهدف إلى جذب كبار الفاعلين الدوليين وتوفير بيئة أعمال تنافسية.
من جانبه، يؤكد المحلل إدريس الفينة أن اختيار المغرب من بين وجهات منافسة مثل تركيا ومصر واليونان لم يأتِ من فراغ، بل هو ثمرة استقرار ماكرو-اقتصادي وبنية تحتية بمعايير دولية. وأوضح الفينة أن موقع “النواصر” تحديداً، لقربه من المطار الدولي، يمنح ميزة لوجستية حاسمة، خاصة وأن مكونات الطيران ذات القيمة العالية تُنقل حصرياً عبر الجو.
المثير في الأمر، كما يصفه الخبراء بـ”المفارقة الإيجابية”، هو أن المغرب الذي يعتمد أسطوله الجوي بشكل كبير على طائرات “بوينغ” الأمريكية، نجح في جذب استثمار استراتيجي من عملاق أوروبي مثل “سافران”. ومن المتوقع أن يوفر هذا المصنع مئات فرص الشغل المباشرة للشباب المغربي المؤهل، مع ضمان نقل الخبرات التكنولوجية الدقيقة، مما يرسخ مكانة المملكة كقطب إقليمي رائد في الصناعات الجوية المتقدمة.